• عاهل آلام العالمين: ينثرُ وجهه في حقول المعنى

    عاهل آلام العالمين: ينثرُ وجهه في حقول المعنى ليقطف الكلمات! أوّل ما نظرتُ إليَّ طفلاً وجدتُ لمعةً في عيوني وكلما اقتربتُ أمام المرآة وجدتُ أن في عيني بعدًا وشكلاً ولونًا آخر غير ما يعرفهُ النّاس، حلقة في حدقة عيوني أحسُ بها تغرسُ كلماتي في كبد السطور. لا يعني لي شيء إن سمعتُ اسمي؛ لانطوائه على حمولةٍ لا أستطيع حملها، فأشيحُ ببصيرتي عنها وأكتفي بسمعي وبصري. بعد الكتابة يكشفُ ليّ أني لا انقطعُ عن كتابةٍ ففي تنفسي كتابة وجود، وفي صمتي كتابةُ معنى، وفي نومي حقن الكلمات بين الكلمات. أهوي للدركِ حينما تنقلبُ الحياة رأسًا على عقب كما تعودتُ أن لا فرق بين الدركات والسموات فبهما معًا يولد لي آلاف الأبناء الطيبين، يترعرعونُ نصوصًا وحيواتًا تابعة لي، وتتنكر ليّ في آنٍ معًا! يعجبني خُلوي مِني؛ توجهُ ليّ طعنات الرحيل الغريبة ولا تصل، وأبقى على عهدٍ أوّل لأفتح صفحة جديدة، وعندما أجلسُ في المقاهي والمكتبات يسألوني لماذا أبقى على حالي وهم لم يبلغوا في قلبي الجديد منزلة بعد! لا أتذكرُ أمنياتي، ولا رغباتي، حتى أنّي أعيشُ في حاضرٍ مع تشبهه بي، فإنه يفشل في كلّ مرّةٍ على الاتساقِ معي، مع جريان الأيام في دمي، وهبتُ سمتًا آخر، علامةً تخيّط وجهي في كلّ كلمةٍ أكتبها، وتزرع صوتيّ في القلوب التي تزرعُ فيّ نبضاتها وذكرياتها. أؤكد حبي الليلة، كما لو كان الوجود في يدي، وأقبضُ على سريانِ جسدي في الرمل لأطفق بالقصيدةِ الجِدَّة! ليس غريبًا إن توسعت الفجوةُ في صدري وعبر منها المُحيط البعيد، لأُنظر البحر حتى وقتٍ معلوم يصيبُ به ذكرياتي الرديئة. لماذا أمحو القلعة التي جاهدتُ في بنائها برمل الشاطئ حتى أنسى اليدين الغضّة التي ابتنتها معي، وكانت تغرسُ في قلبي الورود التي امتدت لتخرق فؤادي. أقتربُ من المرآة وأُقبلها كما لو أني أُقبل صورتي ويصدمني أنها باردة تكادُ تقتلع شفتاي بقسوةٍ وبالأمسّ كانت تقطفُ الأغصان الطالعة من ضلوعي. يدي لم تعد تكتبُ بقلمٍ وأصبح دمي أداتها الأولى، كل كلمةٍ يراقُ بها قنديل يضيءُ ذاكرة. ألحُ على ذاتي كلما وقفتُ أمام المرآة؛ أن أضع حاجزًا يفصلني عن الوجود لكني أُمنى بعبوري السلس كسرابٍ عبر الجدر والأسوار، ولا أستطيعُ حدًّا لماهيتي أن تتمدد ولا لجسدي أن يمسّ عروة السماء دون أن أدري. تبدو لي الغربةُ صديقةً لا أحلى منها، أنادمُ قربها بشرب النسيان، لا أتذكرُ من أنا ثم أعرفُ بعد فوات الميعاد ما كنتُ إذا أقفى النسيان... مضّت حياتي عبر فجواتٍ لا يفقهها الزمنُ العادي اتنقلُ بينيّ وبينيّ وأنظرُ إلى وجهي في الفصول كلها آنًا كما لو كنتُ أنظر في شاشات مُراقبةٍ الحياة كلها وما هي إلا حياتي القصيرة، لذا لا أقفُ أمام المرايا وأستطيع رؤية بشرتي ووجهي الحالي وإنما لأرى ما ينطوي عليه جناني وولاداته، ويبدو حضوري قناعًا لمّا أني وعبتُ امتدادي في قعر الكتابة. أُغسّلُ حِبري مِن بعض الأجساد التي أشتهيها ممحاةً وتشتهيني تاريخًا، وأمشي طابعًا أثرًا للقياي الكائناتِ في لغتي، كلما نطقتُ كلمةً استشعرتُ ولادةً وبناءً يعيد صياغة كوني جريحًا لأكون ترياقًا، ومن كوني أليمًا لكوني شفاءً، ومن كوني امنيةً لكوني حاضرًّا في الكلمات. يتعرى الحاضرون في أمسيات البقاء ليختاروا الموت، ثمن الوجود هو الانتهاء؛ اتصفحُ الوجوه كما لو أنها عادت من فناءٍ أو ولادةٍ لكني لا أجدُ كلمةً جديدة فأقولُ أنّي لم أبارح النسيان، كل هذه الذكريات حَريةٌ بالكتابةِ، أجس الأجساد التي تغدو بلمساتي جزء مِني لا يفرقُ عني قيد أنملة؛ أمتلكُ معانٍ أُخرى تطقُ اطنابها في تربة دمي، وانبجاس صباحي، و صيرورتي في كل آخرٍ نما فيّ لأكتبه. أحملُ آلاف الحقن لأغرس دمي في الصفحات، وأنسى ما كنتُ حين ما كتبتُ أوّل مرةٍ غير خيطٍ رفيع يتداعى من سويداء جرحي يُناديني في كل الكائنات والأشياء: يا عاهل آلام العالمين. أدلفُ بهدوءٍ للحضور حين ما أرى قلبي قد أرسى فكرةً ليكتبها، أوظفُ كل ما تقع عليه جوارحي لأصيغه في حياتي، كما ألقاني في الوجوه التي أكتبها وفي العيون التي تلمع لأقطف من دموعها الكلمات الوضيئة. عرفتُ أمنيتي بعدما تصفحتُ هذا الجسد، وحملتُ آلاف السنين الضوئية خلف ظهري لكني لم أصب بإعياءٍ لمّا لقيتُ فيّ كل الكائناتِ التي تعيشُ في حياتي ولو لم تدري، وتعيشُ في بناني ولو لم تقرأ ما كتبتُ، وتعيشُ في دمي ليتشرب بها وجهي، ويتصل في قعر سويدائها ألقي و بُعدي المديد ؛ يا عاهل آلام العالمين الوضاءةُ عينيك غرستهما في الرمل لتكون كل رملةٍ زهرة وجنة يوعبُ منها الماءُ الزلال، والحياة الهنية. أنثر وجهي في التفاصيل دون أن أريق شيئًا مِني فإني الفراغُ وقد خرجتُ شموسًا ومجراتًا في متصل الكتابة البعيد؛ هذا قلبي العُريان ملاذُ السائرين للحُبّ وهذا دمي الدفاقُ حبر الأيام التي تطوفُ على وجهي لتجعل منه ولادات النصوص الجديدة.

    الكاتب: هيثم بن محمد البرغش آل ريس

    0المفضلة

    50 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    شعر قصيدة 

التعليقات (0)

المزيد من هيثم بن محمد البرغش آل ريس

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • عاهل آلام العالمين: ينثرُ وجهه في حقول المعنى

    المزيد من هيثم بن محمد البرغش آل ريس

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة