• دُمُوعٌ عَلَى رِمَالِ أُملُج

    لم تكن أُملُج يومها سوى قريةٍ صغيرةٍ وديعةٍ، تتوسّد البحر الأحمر، وتستند بظهرها إلى صخورٍ قاسيةٍ تشبه وجوه الرجال حين يطول بهم الألم وتمزّقهم تجاعيدُ الحياة وتصاريف الدهر. جاء القحط في تلك السنة مبكرًا، جاء كضيفٍ متطفّلٍ ثقيلٍ لا ينوي الرحيل؛ جفّ الزرع، وقلّ الصيد، وصار البحر —الذي كان أباً كَرِيمًا— شَحِيحًا، كأنه يختبر صبر القرويين. كان سالم، ابن العشرين، يملك قارباً خشبياً صغيراً ورثه عن أبيه، الذي كان دائما ما يوصيه ببرِّ والدته الحنون. لم يبقَ لسالم في الدنيا غيرها؛ امرأة نحيلة، يدها خشنة من أثر الطحن، عيناها لا تنام إلا بعد أن تسمع وَقْعَ خطواته عائداً من المرسى. في صباحٍ صحوٍ ومشمسٍ، ظهرت في الأفق سفن كبيرة، أشرعتها ناصعة من الكتان الأصيل، تتقدّم ببطء، كأنها قافلة تتهادى من بعيد. قال أهلُ القَريَة: إنها سفن من الساحل الآخر، من بلاد السودان، تحمل الماشية والبضائع، تَعْبُرُ بين المرافئ حتى جُدَّة. وقف سالم يتأملها طويلاً؛ كانت السفن ضخمة، مليئة بالحياة، بالضجيج، بالرجال الذين يضحكون رغم التعب. شيء في داخله تحرك؛ رغبة في الخروج من ضيق القرية إلى ما وراء هذا البحر الغامض. تعرّف إلى البحارة، فحدّثوه عن الرحلات، وعن التجارة، وعن الأجرة اليومية التي قد تُغيِّر حياته، درهم في اليوم، وربما أكثر إن اجتهد. قالوا له: «البحر واسع، والرزق لمن يسعى». عاد إلى البيت وفؤاده يكاد ينفطر. وجد أمَّه جالسةً قرب الباب كعادتها، تنتظر. جلس أمامها وأخبرها. لم تصرخ، ولم تبكِ؛ فقط نظرت إليه طويلاً، ثم قالت بصوت منخفض: «يا ولدي، الغربة كربة، وأنا لا أملك في الدنيا غيرك». قال بحماسة الشباب: «سأعود بالمال يا أمي، سأبني لكِ بيتًا جدِيدًا، ولن نعيش في ضيق بعد اليوم». هزّت رأسها ببطء، وقالت: «إن رَحَلتُ… فابكِ على قبري». كان وقعُ الكلمات ثقِيلًا، لكنه أقنع نفسه أنه مجرد خوف عابر. مع بزوغ الفجر، قبل أن يرقّ قلبه، ودَّعَهَا وَمَضَى. بدأتِ الرحلات؛ من الساحل السوداني إلى مرافئ مِصر، ومن هناك إلى جُدَّة. كان يحمل الأغنام، ويربط الحبال، ويسهر في الحراسة، ويحسب في الليل ما ادّخره. في البداية، كان يكتب لأمه مع العائدين، ثم قلّت الرسائل، ثم انقطعت. المال الذي جمعه لم يستقرّ في يده؛ إذا مرض أنفق، وإذا تعطل المركب دفع لإصلاحه، وإذا رست السفينة في مدينة عامرة أغرته الأسواق والمتاجر. فيردد في نفسه: «ما زلت في ريعان الشباب، وسأعوّض ذلك لاحقاً». مرّت السنوات سريعاً، أسرع مما توقّع. تزوّج بعضُ رفاقه، واستقروا، واشتروا بُيُوتًا. أما هو فظل عابراً، كأن البحر لا يريد له أن يرسو على شطآن الحياة. وفي ليلة هادئة قرب سواحل جُدَّة، جلس وحده على ظهر السفينة، شعر بشيء ثقيل في صدره، كأنه نداء قديم استيقظ في أعماقه. تذكَّرَ يدَ أمه، صوتَها، كلماتِها التي ظنّها مبالغة: «إن رَحَلتُ… فابكِ على قبري». في الصباح، قرّر العودة. بعد غياب طويل، وطئت قدماه رمالَ أُملُج الساخنة، لم يتعرف إلى القرية يومها؛ بعض البيوت تبدّلت، وبعض المعالم انمحت، وبعض الوجوه غابت. سار بخطوات مترددة نحو بيته القديم. لم يجد أمه. دلوه على المقبرة، قائلين: «ماتت قبل أعوام... كانت تخرج كل مساء إلى البحر، تنظر إلى الأفق… ثم تعود...». لم يسمع بقية الكلام. مشى إلى قبرها وهو ينتعل رئتيه، مع كل خطوة يسمع أنفاسه الثقيلة، حتى جلس أمامه صامتاً. لم يكن معه مال يُذكر، ولا بيت، ولا زوجة، ولا ولد يحمل اسمه. كان معه فقط عُمْرٌ فَنِيَ، وصوت قديم يناجيه؛ «إن رَحَلتُ… ». وضع جبينه على التراب، وعفَّر خدَّيْه ثم بكى كما لم يبكِ في صغره؛ بكى على كل رسالة لم يكتبها، وعلى كل موسم غاب فيه، وعلى كل مرّة ظن أن البِرَّ يمكن تأجيله. كان القحط الذي خاف منه قد انتهى منذ زمن، لكن قحطاً جديدًا استوطن قلبه. همس: «هَا أَنا ذَا عُدتُ يا أمي… لكن متأخراً». هبّت نسمة من جهة البحر؛ لم تكن قاسية، بل كانت رطبة خفيفة، كأنها يد أمه العطوف خرجت لتمسح على رأسه. عند الغروب، قام سالم ببطء. لم يكن في جيبه إلا القليل، لكنه شعر —لأول مرة— أنه أفلس حقاً!.

    الكاتب: محمد عبدالحميد

    0المفضلة

    58 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    قصة 

التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من محمد عبدالحميد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • دُمُوعٌ عَلَى رِمَالِ أُملُج

    المزيد من محمد عبدالحميد

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة