المَلِكُ والغُلَام
Mar 6, 2026 10:10 PM Mar 6, 2026 10:10 PM
مَنْ يَفْعَلِ الْخَيْرَ لَا يَعْدَمْ جَوَازِيَهُ *** لَا يَذْهَبُ العُرْفُ بَيْنَ اللَّهِ وَالنَّاسِ الحطيئة يُحكى أنّ ملكًا من ملوك العرب في بلاد أرمينيا، خرج ذات يوم في نزهة إلى البرّيّة المجاورة، مستصحبا حاشيته للصيد. وكان قد صنع له المهندسون سهامًا ذهبية من ريش النعام، بالغة القوة، سريعة النفاذ، لا تكاد تخطئ هدفًا. فأمر خادمه أن يأتيه بتلك السهام، وما إن شدّ الوتر وجاوز السهمُ القوسَ حتى انطلق مُحْدِثًا أزيزًا عمَّ أرجاء الوادي، وقبل أن يبلغ حمار الوحش الذي كان على مرمى البصر، انكسر السهم نصفين، ونجت الفريسة. تتبع الملك أثر السهم، فالتقطه أحد رجاله، فإذا هو مكسور كما لو ضُرب بسيف، فتعجب الملك من ذلك تعجّبًا شديدًا، وصرف نظره إلى فرائس أخرى. وما هي إلا ساعة حتى أبصر قطيعًا من الوعول، فرمى أحدَها، فانكسر السهم كانكسار سابقه، فاشتد غضبه، وأخذ جعبة السهام وهمّ أن يكسرها جميعًا. فقال له أحد أعوانه: «أيها الملك، ليس هذا نذير شؤم، الفأل حسن وإياك أن تندم ندامة الكسعيّ فإنما هي ليلة غائمة وغمامة ساجمة ورياح عائمة، وليس بيننا وبين بزوغ الفجر إلا ساعة، فإن شئت تحققنا من الأمر عند الصباح». نظر إليه الملك نظرة حازمة، ثم أعاد الجعبة إلى مكانها، وعاد مسرعًا يشقّ غبار الريح إلى معسكره. كان المعسكر عظيمًا، إذ اعتاد الملك أن يخرج للصيد بين الفينة والأخرى. وما إن بلغ سريره حتى غلبه النعاس وهو يتمتم بـ: "قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ"، ثم انتبه بعد إفاقة لطيفة فقام فَزِعًا مهمومًا، وأخذ يبحث عن خادمه فلم يجده، فخرج إلى النار وجلس محتبِيًا، وما إن عقد حبوته حتى سمع جلبة عند مدخل المعسكر؛ الجنود يدفعون بغلظة رجلًا عجوزًا ويجرّونه من ردائه حتى ألقوه على الأرض. صرخ الملك فيهم وأمرهم بالكفّ، فأُتِيَ بالعجوز وأُقعِد بجواره. قال الملك: «ما شأنك أيها الشيخ؟» قال: «أيها الملك، أنا رجل من العرب من بادية ديار بكر، أرعى هذه الأغنام، وقد رأيت كلابًا نابحة، وخيلًا سابحة، ونارًا جامحة، وأعلامًا لائحة، فتوهمت، وتاه بي الطريق، وأنا كما ترى أعشى، أتخبط بعصاي، أتوكأ عليها وأهشّ بها على غنمي، ولي فيها مآرب أخرى». قال الملك: «وما الذي دفعك إلينا؟» قال العجوز بنبرة حزن وأسًى: «ظننتها نارَ قِرًى، نارًا عظيمة كنار موسى -عليه السلام- تراءت لي وأنا في أسفل الوادي، وها أنا ذا أطلب الصفح والمعذرة، فليس لمثلي أن ينادم مثلك، ولا لظِليّ أن يسامر ظِلك». فتفرس الملك في وجهه، وارتسمت عليه أمارات الريبة، غير أنه رأى شيخًا طاعنا وجسدا هزيلا واهنا لا جاسوسًا ولا مغتالًا، فقال له: «حيّاك الله وبيّاك يا أخا العرب، قد ساقتك الأقدار إليّ، فأنت ضيفي». ثم أردف مستفهما: «كيف حالك وحال العبادة؟» قال العجوز: «تنَسَّكت منذ ثلاثين سنة، أعبد الله في قريتي بديار بكر، ولي خمسة عشر يومًا أتنسّك على رأس الجبل المحاذي لمقامكم، ولكن أبيت اللعن أيها الملك، ما لي أراك كَسِيفًا أَسِيفًا وقد أسبغ الله عليك النعم ودفع بك الغوائل والنقم». كان الملك ينكت بعود من الطيب، كلما دفعه إلى النار فاح عبيره، ثم قال: «أيها العجوز، لقد رأيت اليوم في المنام رؤيا أفزعت فؤادي، وارتعبت لها فرائصي، وقد جمعتُ لها الوزراء، فقالوا: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين، وإني أراك على حكمة جلية وسريرة نقية، وحري بمثلك أن يُهدى إلى الصواب، وأرجو أن تكون أهلًا لأن تسمع مني، فإن شئت قصصتها عليك». قال العجوز: «حُبًّا وكرامة، ولكن الأمان... الأمان». قال الملك: «رأيتُ كأنّ ريحًا عاصفة هبت على قصري، وكأن الملائكة تزجرها وتقرأ قوله تعالى: "تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ". وكلما تردّد هذا القول تهدم حائط من حيطان قصري. ثم رأيت عرشي، وتاجي معلقًا بعصاي، يهتز مع الريح ولا يسقط. ثم رأيت بذرة نبتت على طرف العصا، فصارت شجرة عظيمة، امتدت جذوعها حتى سدّت ما تهدّم من القصر، فعاد أصلب مما كان. ثم رأيت العصا جزءًا من جذعها، والتاج ينتقل من غصن إلى غصن، كلما ذبل غصن انتقل إلى الذي يليه، وهو أقوى وأمتن». فبكى العابد وقال: «أيها الملك، البدار... البدار، انظر في وزرائك وأَوْصِ، فإنك مفارق». فشهق الملك شهقة عظيمة، وزفر زفرة جسيمة، ولمعت النار في عينيه لمَّا اتسعت حدقتهما، ثم قبض قبضة من العيدان وألقاها في النار، فارتفع اللهب عمودا صاعدا، وفزعت الخيول واضطربت العجول، ثم قام إلى خيمته. وفي المساء قطع نزهته، وعاد إلى قصره، وجمع حاشيته وقص عليهم الرؤيا، فأعادوا قولهم الأول. غير أن ابنته -وكانت نبيهة عاقلة- قالت: «يا أبت، رؤيا الملوك حقٌّ، وإني أرى العابد قد صدقك، فأوصِ قبل الفراق». فازداد همّ الملك، وعاد إلى الجبل، ونصب خيمته، وبعث العيون حتى أتوه بالعابد. فقال له: «ما ترى؟» قال: «اِبحثْ عن رجل يحفظ المعروف ويجازي عليه، ويُدرك الفضل لأهله». قال الملك: «وهل تشير عليّ بأحد؟» قال: «اِبعثْ إلى قرية بجوار ديار بكر، واسأل عن غلام صفته كذا وكذا…». فلم يطق الملك صبرًا، وبعث في طلبه. فأُتي بالغلام، وقد ترك أمه العجوز في بيتها، فلما وقف بين يدي الملك قصّ قصته، وكيف آثر خدمة أمّه على متاع الدنيا؛ فقال: «أيها الملك نحن ثمانية إخوة، فرّق بيننا حب المال والعيال؛ ذهب إخوتي السبعة إلى الإتّجار في ورث أبي وضِياعه فنمت أموالهم مزارعَ كثيرةً ودورًا وقصورًا وأموالا وبنينَ، حتى صار لكل منهم أزواج وخدم، وأصبحوا في البلاد أشهر من نار على علم، وآثرتُ البقاء على حرثي وفلاحتي في نصيبي من زرع أبي وحصاده، آكل ما تجنيه الأرض وأطعم أمي المسكينة وأقوم على رعايتها. فقد أصابها الخوف ومسّ عقلها التلف، بعد أن أطعمتني حدّ الشبع، وكستني وأوتني حتى اشتد عودي، وأنا اليوم أحتملها ولا أرجو منها فضلًا». فعجب الملك من حديث الغلام، وطال تأمله فيه، ثم قال في نفسه: «إن كان هذا صادقًا فيما يقول، فهو أمين على ملكي أصيره من كوكبة الوزراء ». فأمر بإقامته في القصر أيامًا، واختبره في صغير الأمر وكبيره؛ فوكل إليه خزائن المال، فوجدها على حالها لم ينقص منها درهم. وابتلاه بالجاه، فلم يتكبّر، وقرّبه من مجالس الحكم، فلم يبدّل لسانه، ولا خان أمانته. وكان كلما ذُكِرتْ أمّه، أطرق رأسه، ودعا لها سرًّا وعلنًا. ثم أراد الملك أن يختبر صدقه الأخير، فأمر بأن تُعرض عليه قافلة عظيمة من البضائع يسير فيها، على أن يشغله ذلك عن خدمة أمه أيامًا. فاعتذر الغلام وقال: «أيها الملك، إن العمل يُدرَك، وإن المال يُؤتى، أما الأم إذا فقدت فلا عوض عنها». فعلم الملك أنه أمام رجل لا تشتريه الدنيا، فقال: «هذا والله، صاحب مُلك، وإن لم يملك اليوم… من قاد نفسه قيدت له الناس ومن ملك زمامها قانعا ملك خزائن الدنيا. والناس سواء، فإذا حضر البلاء والاختبار تمايزوا وعلا بعضهم على بعض». ثم أمر بنقل أُمِّ الغلام إلى القصر، وكانت عليلة قد أنهكها المرض وطول السنين. فلما دخلت، وأُجلِست في موضع كريم، لم ترفع رأسها حتى رأته قائمًا عند قدميها، يقبّلهما، ويدعو لها، ويخدمها بيديه كما كان يفعل في كوخها الصغير. فبكت، وبكى من حضر. وما هي إلا أيام حتى ردّ الله إليها عافيتها، وقويت بعد ضعف، كأن البرّ كان مفتاحا إلى رزق ساقه الله إلى الغلام ببركة أمّه عليه. عندها أعلن الملك ولايته للعهد، وزوّجه ابنته، وأشهد خاصته على رضاه عنه. ثم لم تمضِ إلا أعوام حتى توفي الملك، فانتقل المُلْكُ إلى الغلام انتقالًا هادئًا، كأنه ميراث. وحكم سنين طويلة بالعدل، وردّ المظالم، وأكرم الضعفاء، ولم ينسَ يومًا فضل أمه، فكان لا يقضي أمرًا إلا بدأ بدعائها ومشورتها. واستقرت البلاد، ورضي العباد، وعلم الناس أنّ مَن حفظ حق والديه، أنار الله بصيرته ورضي عنه وأرضاه، وخلّد ذكره في الدنيا، ورفع منزلته في الآخرة.


الكاتب: محمد عبدالحميد
0المفضلة
92 المشاهدات
0 تعليقات