مُنذُ العُتبة الأولى للمجيء
Jul 9, 2026 04:03 AM Jul 9, 2026 04:03 AM
مُنذُ العُتبة الأولى للمجيء، لم تَكُن جغرافيا العالمِ كَما رَسمَتها لَنا خارطةُ "سبيستون". لَطالما حَدّثونا عَن ضَوءٍ قابعٍ في آخرِ النَّفق، وعَن نِهاياتٍ سَعيدةٍ تُطوى مَع شارةِ الإغلاق؛ لَكِنَّ المَشهدَ الخَلفيَّ لِتلكَ الشَّاشةِ الّتي شَكّلَت طُفولتنا كانَ يَعِجُّ بواقعٍ آخَر: أطفالٌ يَكبُرونَ قَبلَ الأوان، مَداخِنُ مَصانعَ تَلتَهِمُ بَراءةَ الأُمنيات، ولَحظاتٌ بَهيجةٌ تَبترُها الغِصَّةُ قَبلَ أَن تَكتَمِل. لَم يَكُن الأمرُ كُوميديا سَوداء، بَل كانَ الِإعرابَ الحَقيقيَّ لِحَياةٍ مَشوبةٍ بالفَقدِ والمَرض. أولُ انكسارٍ في هَيكلِ المَفهوم كانتِ الخَيبةُ الأُولى تَكمُنُ في تَفكيكِ مَفهومِ "العائلة"؛ ذَلِكَ البِناءُ الّذي تَخيَّلناهُ مُكتمِلاً في كُتبِ المُطالعةِ العَتيقة، فَإذْ بِهِ يَقَعُ خارِجَ حُدودِ الاختيار، لِنَجِدَ أَنفُسَنا نُواجهُ مَعاركَ التَّرتيبِ وحَلِّ النِّزاعاتِ في سِنٍّ مُبكرة. وتَتالتِ الفَواصلُ القاسيةُ مَع مَرضِ مَن نُحب، وحتّى لَحظاتِ الفَقدِ الشَّفيفِ الّتي تَرَكَت في الذَّاكرةِ نُدوباً لا تَمحيها الأَيّام. وَبينَ كُلِّ هَذهِ الأَضداد، وبَينَ مَرارةِ الوَاقعِ وعُقمِ التَّفاصيل، لَم نَعدَمِ الرُّؤية؛ إذْ كانَ ثَمَّةَ خَيطٌ دَقيقٌ مِن النُّورِ يَمتَدُّ لِيَصِلَ بَينَ أطرافِ الرُّوح، ضَوءٌ يُصرُّ عَلى نَثرِ ألوانِ السَّعادةِ رُغمَ رَماديَّةِ المَشهد. الحُبُّ كَبنيةٍ لِلمُقاومة في هَذا العَراء، لَم يَكُنِ "الحُبُّ" لَدَينا هُوَ ذَلِكَ المَفهومِ المُستهلَكِ في دَفاترِ الشُّعراءِ أو المَطروحِ عَلى أَرصِفةِ التَّواصُلِ الاجتِماعيّ. إنَّهُ نَوعٌ آخَرُ مِنَ الاشتقاقِ العَميق؛ حُبٌّ يَقومُ عَلى المِعمارِ والتَّشييد، يَبني الفَراغاتِ الّتي هَدَّمَها الوَقت، ويَشحنُ النَّفسَ بالقُدرةِ عَلى تَحمُّلِ العَناء. رُغمَ طُولِ المَسافةِ الّتي تَفصلُ بَينَ خُطواتِنا، ومَشقَّةِ الطَّريقِ نَحوَ الالتقاء، إلّا أَنَّ هَذِهِ المَرارةَ نَفسَها أَعادَت صِياغَةَ تَمَسُّكي بِهِ. أُراقبُ شَريكي، كَيفَ يَسعى في دُنيا عَقيمةٍ لا تَرحم، وكَيفَ يَشقى لِنَجتمِع. أُعايِنُ هَذا العالَمَ الّذي لَم يُغيِّرْ سِوى مُصطلحاتِهِ: فَمِن عُقودِ "استعمارِ القُصورِ في أورُوبا" قَديماً مُقابِلَ حِمايةِ العَامِلين، إِلى إِداراتٍ حَديثَةٍ وشَرِكاتٍ عِملاقةٍ تَحصدُ الأَرباحَ وتَمتصُّ الجُهود، مُقابِلَ فُتاتٍ ومَردودٍ مَاديٍّ لا يَكفي لِسَدِّ رَمَقِ الحَياةِ ولا يُوازي قِيمَةَ الِإنسانِ البَاذِل. نُقطةُ خِتامٍ مُمتدَّة هَذا الشَّقاءُ المُشتَرك، وهَذا الكِفاحُ الرَّصينُ وَسَطَ آلاتِ المادِيَّةِ الجَافَّة، لَم يَزِدْني إلّا عِشقاً لَهُ وثَباتاً مَعَهُ. لَقد تَعلمتُ كَيفَ نَجعلُ مِن عَاطِفَتِنا مَلاذاً رَاقِياً، نَقِفُ فِيهِ مَعاً بوَجهِ المَداخِنِ والظُّروف، نَغرسُ وَردَ الأَمَلِ في رَحِمِ هَذِهِ المَرارَة، ونَمشي خُطوَةً بِخُطوةٍ نَحوَ مُستَقبلٍ نَصنَعُ هَندَسَتَهُ بأَيدِينا.


الكاتب: Malak Yusuf
0المفضلة
18 المشاهدات
0 تعليقات