• اشتقنا يا جنوب

    اشتقنا يا جنوب، والروح عالقةٌ بين الحطام. هل غفا ذاك الوطن؟ وتشرّد في شوارع المكان، ينحت من بين الحجارة ذراعين، ينتظر عند مفارق الضيعة يابسَ العين. اشتقنا يا جنوب، ولنا في الفقد عطشٌ غريب، في دفتر أوجاعه أنينٌ حزين يجرّ أذياله بين الياسمين، ونحن نشتاقه اشتياقَ الجنين. اشتقنا يا جنوب، ولك أسبابٌ للموت. أنت العارم باللحن، ونحن المساكين. أنت الجرح الذي أشارت إليه جميع الدروب، ونحن أسماءٌ قديمة تمحوها مقاهي الحنين. اشتقنا يا جنوب، ونحن أيتام اللغة، وأنت غيظٌ شاهق، وفيك ترسّخ الخلود. لولاك لما تقاطعت أحلامنا، فوقع الحزن علينا، ووقعنا في الهروب. اشتقنا يا جنوب، وهنا بحرٌ يوصلنا إلى حبر الدم، ودماؤنا في أرضك الحبلى. وأنت مريبٌ في صباحك، غريبٌ كالفاجعة، وحلمك يأتي في هذيٍ يطوي الحضيض. تعال إلى زغرودةٍ مطفأة، فلتزفَّ أحلامنا. هناك، بين ثنايا طينك، تنساب الألحان في ثغر أغنيةٍ تنوح بالأحزان، وعبراتٌ تبلّلنا في سكب الأشجان. اشتقنا يا جنوب، وأنت معطفُ لطفٍ تدثّرنا به. أنت الوطن الذي لطالما عشقناه، في عينك المحن والسكن، ولغتك الدفء. فهل اضطررت يوماً إلى رفضنا؟ اشتقنا يا جنوب، من أين أصل إليك؟ كيف أكتب إليك دون أن يحترق القلم؟ وماء الورد جاف، وكلُّ طيبٍ ذابل، وأنت ترتّل الفؤاد ترتيلاً. فهل لطريقك عودة؟ هل يمكن أن تستوطنك جميع الفصول دون أن نصل؟ في تربك سكرٌ، وفي تينك قمحٌ وزيتون، أما أنفاسك فمن فلٍّ، وأشجارك كلها زعترٌ وطيّون. يا تربة المتعبين، هلمَّ إلينا، فلتصرخ أرضك في عطشٍ. كم يطوف الطير في أرجائك، في حدود روحك، في هوى الطيوب. الأرض يا جنوبنا حصادُ شهيد، وزرعُ القمح عزّتنا، ليثمر في كل حقولنا زهورُ أقحوانٍ مليئة بالنخوة والكرامة. اشتقنا يا جنوب، وإن كان النوى ضعيفاً، فإن الفجر موعدنا، والزرع كماء غيدقٍ، به روضٌ مورق، وريفٌ بالمحاصيل مشرق. وأنت تبتسم هانئاً، تملأ القمح بسنابل خضرٍ تغازل من يهوى ويعشق. كأنك شمسٌ تغيب وتشرق .. طابت انفاسك ، واشترطت لقاءنا فهل وعدك محققٌ ؟

    الكاتب: مريم حمود

    0المفضلة

    19 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من مريم حمود

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • اشتقنا يا جنوب