مشيئة الرماد
Jul 25, 2026 09:49 PM Jul 25, 2026 09:49 PM
قصيدة لـ خلدون الدالي مشيئة الرماد هناكَ كرسيٌّ يشيخُ وحدهُ كأنَّ أحداً وعدهُ بالعودة ثم مضى إلى جهةٍ لا تعرفُ الخرائطُ اسمَها. ألمسُ الهواءَ فيسقطُ منهُ غبارُ الأصوات، ضحكةُ أمٍّ كانتْ ترتّبُ المساءَ كما تُرتَّبُ الأرغفةُ الساخنةُ في سلالِ القلب. المدنُ... لا تموتُ دفعةً واحدة، إنها تُطفئُ شبابيكها نافذةً بعد أخرى، حتى يظنَّ العابرون أن الليلَ هو الذي انتصر. كلُّ الذين أحببتُهم صاروا أخفَّ من أسمائهم، يمرّون في الذاكرة مثل ماءٍ لا يتركُ على الكفِّ غيرَ برودةِ الغياب. أجرُّ نهاري كجنديٍّ عادَ من حربٍ نسيَ فيها وجهَ عدوِّه، لكنَّهُ يحفظُ جيداً عددَ الثقوبِ في قلبه. وأقولُ للوقتِ: تمهّلْ قليلاً... فما زالتْ في جيبي مفاتيحُ أبوابٍ هُدمتْ منذ سنوات، ورسالةٌ لم تجدْ صندوقَ بريدٍ يليقُ بوحدتِها. أيُّها العالم، ما أكثرَ ما تبدو كاملاً حين ننظرُ إليكَ من بعيد، وما أشدَّ كسركَ حين نجلسُ في داخلكَ ونصغي إلى صوتِ الملاعقِ وهي تفتّشُ عن عائلةٍ حول مائدةٍ لم يبقَ منها إلا أثرُ الضوء. وفي آخرِ المساءِ، حين يخلعُ الصمتُ معطفَهُ، أفتحُ نافذتي، فلا يدخلُ القمر، بل تدخلُ تلكَ الأشياءُ الصغيرةُ التي نسيناها يومًا: رائحةُ كتابٍ قديم، خطواتُ أبٍ كان يؤجّلُ تعبَهُ إلى الغد، وطفلٌ ما زال يصدّقُ أنَّ المنازلَ لا تغادرُ أصحابَها. ثم أُغلقُ النافذة، لا خوفاً من الليل، بل خوفاً أن يراني الحنينُ ويعرفَ عنواني من جديد. ____________


الكاتب: خلدون الدالي
0المفضلة
7 المشاهدات
0 تعليقات