قصة قصيرة - قطار حبنا
Jul 26, 2026 07:46 AM Jul 26, 2026 07:46 AM
كانت نافذة القطار السريع تعكس وجهين رسمت السنين عليهما خرائط من التجارب والضحكات. الزوج السعيد، بنظاراته التي تستند على طرف أنفه، والزوجة السعيدة، وهي تعيد ترتيب شالها الصوفي بيديها اللتين لم تعدا بالقوة نفسها، لكنهما ما زالتا تحملان الحنان ذاته كان القطار ينهب الأرض نهباً، متوجهاً إلى مدينتهما القديمة، حين قطع الزوج السعيد الصمت بنبرة كلها سعادة أتذكرين هذا المقعد يا رفيقة العمر؟ ليس هذا بالضبط، ولكن هذه الزاوية.. كانت الأجواء تماماً كما هي الآن التفتت إليه الزوجة السعيدة بابتسامة أضاءت تجاعيد وجهها وقالت وكيف أنسى؟ كنتَ تجلس هناك، تحاول التظاهر بقراءة جريدة مقلوبة، وعيناك لم تدعني وشأني منذ ركبت على متن القطار ضحك الزوج السعيد ضحكة خافتة، وأمسك يدها برفق في الحقيقة، جمالكِ الطاغي أنساني من أنا وتمنيت وقتها بأن هذه الرحلة لا تنتهي وسألت نفسي: كيف لشخص أن يملك كل هذا الهدوء وسط ضجيج الناس؟ حين تعثرتِ وأنا أمد يدي لأساعدك، شعرتُ وكأن القطار توقف فجأة، رغم أنه كان يسير بسرعة مئة كيلومتر في الساعة وبعدها بقليل أقبل الزوج السعيد بكوبين من القهوة استعداداً لفطيرة التوت التي طلبها والمفضلة لزوجته العزيزة استرسلت الزوجة السعيدة في الذكرى، وعيناها تلمعان يومها، اعتذرتَ لي ثلاث مرات في دقيقة واحدة، ثم عرضتَ عليّ شرب القهوة في عربة الطعام. والآن، انظر إلينا.. مرّت أربعون سنة، وما زلنا في القطار نفسه، لكن هذه المرة لا نحمل حقائب ثقيلة، بل نحمل عمراً كاملاً من الذكريات نظر الزوج السعيد إلى النافذة، حيث بدأت أضواء المدينة تلوح في الأفق، وقال بهدوء تغير القطار، وتغيرت ملامحنا، وشابت رؤوسنا.. لكن المقعد الذي جمعنا أول مرة، ما زال محفوراً في قلبي كأنه حدث بالأمس اتكأت الزوجة السعيدة على كتفه، وأغمضت عينيها، شاعرةً بأن الرحلة لم تنتهِ بعد، بل هي مجرد محطة جديدة في رحلة بدأت للتو، ثم قالت بهمس لزوجها: هذا هو قطار حبنا


الكاتب: معاذ
0المفضلة
23 المشاهدات
0 تعليقات