قصة قصيرة - المشهد الأخير
Jul 27, 2026 03:25 AM Jul 27, 2026 03:25 AM
في أحد شوارع لندن، كانت هناك سينما عتيقة، لا تفتح أبوابها إلا لهواة السينما الكلاسيكية وأفلام الأبيض والأسود. ورغم طابعها التاريخي الأصيل، إلا أن مالكها حرص على تجهيزها بأحدث أنظمة العرض الرقمية وأنظمة الصوت المتطورة، لتبقى ملاذاً آمناً لعشاق الفن الراقي. في تلك الليلة الباردة، كان ألفريد، شاب في الثالثة والثلاثين من عمره، يقف خلف الكواليس كعادته، مسؤولاً عن إدارة نظام التشغيل الرقمي وتنظيم العروض. كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً، والجمهور من عشاق الكلاسيكيات يبدأ في دخول القاعة بهدوء. حمل ألفريد ملف العرض الرقمي لفلم الليلة، وهو فيلم كلاسيكي نادر مُعاد ترميمه بعنوان: القصر المسكون. جلس أمام شاشات التحكم، وهو يشعر بثقل الليلة وكأن شيئاً غير عادي سيحدث. نظر إلى الساعة؛ إذ هي الثامنة والربع، والعرض سيبدأ في تمام الثامنة والعشرين دقيقة. تنهد وأسرع في تفعيل النظام. كانت هذه العروض بالنسبة له مجرد روتين يومي هادئ؛ يجلس في الأعلى خلف الزجاج العازل، يراقب الناس وهم يتأملون بشغف، بينما هو يراقبهم من بعيد. فجأة… حدث ما لم يكن في الحسبان. بسبب عطل مفاجئ في النظام، توقفت شاشات المراقبة الصغيرة أمامه عن العمل وبدأت تومض باللون الأحمر؛ حيث أصبح الجزء الأخير من الفيلم — حوالي خمس دقائق — غير قابل للعرض ، بينما القاعة الكبرى امتلأت بالمشاهدين شعر بالدم يتجمد في عروقه. في تلك اللحظة، طرق مسؤول الدار الباب بعنف من الخارج: “هيا يا ألفريد! أطفئ الأنوار وابدأ العرض!” أجاب بصوت مرتبك يحاول كبح توتره: “حسناً… حسناً.” وقف خلف لوحة التحكم، بينما قلبه يضرب بسرعة. كان يعلم أن الفيلم مدته ساعتان، وأن الجمهور الذي أتى خصيصاً لهذه القاعة ينتظر النهاية الكلاسيكية كما ينبغي. لكن الوقت كان يضيق، والخوف يزداد. وضع يديه على رأسه يحرك شعره ويفكر، حتى خطر في باله شيء مجنون. حين كان طالباً في معهد السينما، صوّر فيلماً قصيراً لبرنامج التخرج؛ في أخر كم دقيقه، تسير سيارة على طريق جبلي ثم تسقط من جرف إلى البحر وتُحاصرها القروش من كل جانب. بالرغم بأن الإنتاج كان متواضعاً جداً، إلا أنه كان يعتز به. أخرج هاتفه بسرعة، وبما أن السينما مجهزة بنظام رقمي حديث، فقد ربطه بالشاشة الكبرى بضغطة زر واحدة. تردد لحظة… ثم ضغط تشغيل. بدأ الجمهور يشاهد الفيلم الكلاسيكي على الشاشة العملاقة بدقتها المذهلة، ولكن عندما وصل إلى اللحظة الحاسمة التي يهرب فيها البطل من المطاردة، ظهرت على الشاشة لقطته القديمة: السيارة، السقوط، البحر، والقروش بتفاصيلها. اختلطت النهاية الكلاسيكية الأصلية بنهاية سريالية غير متوقعة. كان ألفريد يحرك مؤشر العرض بيده المرتجفة، يحاول أن يجعل المشهد يبدو وكأنه جزء من رؤية إخراجية جريئة ومفاجئة للفيلم. انتهى العرض. ساد صمت ومثير في القاعة. ثم خرج الناس يتحدثون باندهاش ويقولون “نهاية غريبة… لكنها قوية.” كان ألفريد واقفاً خلف الباب، يسمع كل كلمة بذهول. ولأول مرة… لم يشعر أنه مجرد موظف يدير شاشات دار عروض، بل شعر أن له بصمة حقيقية، ولو في لحظة واحدة فقط، داخل العالم السينمائي الذي لطالما حلم به . (النهاية)


الكاتب: معاذ
0المفضلة
21 المشاهدات
0 تعليقات