• مئذنةٌ تُصلّي للغرقى

    قصيدة لـ خلدون الدالي مئذنةٌ تُصلّي للغرقى في البدء... لم يكن الطينُ أوّلَ ما خُلِق. كان الانتظار. ذلك الكائنُ الذي يجلسُ على حافةِ الوقت، ويُقلِّبُ الفصولَ كما يُقلِّبُ ناسكٌ كتاباً بلا حروف. --- رأيتُ الليلَ ينزعُ معطفَه الأسود، فإذا تحته ليلٌ آخر، أكثرُ وحدةً، وأشدُّ احتياجاً إلى نجمةٍ يتيمة. وعرفتُ يومها أن الظلامَ ليس غيابَ الضوء، بل غيابُ اليد التي تشيرُ إليه. --- كان البحرُ يجلسُ داخلَ صدفةٍ صغيرة، والصدفةُ تحملُها طفلةٌ تظنُّ أنها تسمعُ الموج، ولا تدري أن البحرَ هو الذي يُصغي إلى قلبها. --- الأشجارُ... لا تكبرُ إلى الأعلى. إنها تحفرُ في السماء كما تحفرُ الجذورُ في التراب. كلُّ غصنٍ هو سؤالٌ أخضر، وكلُّ ورقةٍ نافذةٌ تُطلُّ منها السماءُ على تعبِ الأرض. --- رأيتُ رجلاً يحملُ حجراً منذ أربعين عاماً. حسبتُه يبني بيتاً. لكنه كان يسندُ به ذكرىً كادت تقع. --- وفي السوق، كان الباعةُ ينادون على الوقت. هذا يبيعُ صباحاً لم يستيقظْ أحدٌ فيه. وذاك يبيعُ مساءً لم يعدْ منه أبٌ إلى أولاده. أما الطفلُ فكان يشتري قبضةَ هواء، ثم يطلقُها عصفوراً. --- كلُّ الأنهارِ تعرفُ الطريقَ إلى البحر. إلا دمعةً واحدة، ظلّت سنواتٍ تبحثُ عن خدٍّ يستحقُّها. --- وحين شاخَ القمر، صار عكّازُه هلالاً. وصارت الذئابُ تعوي لا خوفاً منه، بل خوفاً من البياضِ الذي يتركه على جراحِ الليل. --- وعندما وصلتُ إلى آخرِ الطريق، لم أجدْ باباً... وجدتُ صدى. كان واقفاً ينتظرُ صوتاً لم يولدْ بعد. فسألني: «ماذا حملتَ من رحلتك؟» قلتُ: حفنةً من الغياب، وظلَّ شجرةٍ لم تُخلق، وقنديلاً يعملُ بالحنين، وقليلاً من الصمت يكفي لترميمِ لغةٍ كسرتها الحروب. ابتسمَ الصدى، واختفى. عندها فقط رأيتُ مئذنةً واقفةً في منتصفِ البحر، لا تؤذّنُ لأحد... كانت تُصلّي على كلِّ السفن التي وصلت، وعلى تلك التي ما زالت تبحثُ في الأمواج عن اسمٍ يستحقُّ النجاة. ________

    الكاتب: خلدون الدالي

    0المفضلة

    16 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #خلدون_الدالي #شعر_خلدون_الدالي 

التعليقات (0)

المزيد من خلدون الدالي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مئذنةٌ تُصلّي للغرقى