الأعمى الذي كان يُضيء الجهات
Jul 27, 2026 08:52 PM Jul 27, 2026 08:52 PM
قصيدة لـ خلدون الدالي الأعمى الذي كان يُضيء الجهات ليس لأنني رأيتُ العالم صدّقتُه، بل لأنّ غيمةً مرّت ذات مساء ورمت ظلَّها في قلبي فعرفتُ أن السماء أيضاً تحتاج إلى من يصدّق بكاءها. كنتُ أجمعُ أصواتَ الأشياء، لا الأشياء. أضعُ صريرَ الباب إلى جوارِ تنهيدةِ البئر، وأخبّئُ ارتجافةَ شمعةٍ في جيبِ الريح، ثم أقولُ لنفسي: ما أكثرَ ما يضيعُ من الضوء حين ننظرُ إليه. في المدينةِ كان الناسُ يحملون وجوههم كما يحملُ الجنودُ خوذاتهم؛ خوفاً من حجرٍ لا يعرفُ أحدٌ من أيِّ قلبٍ سيُقذف. أما الأشجارُ فكانت ترفعُ أغصانها لا طلباً للمطر، بل لتتحسّسَ نبضَ الغياب في معصمِ الهواء. كلُّ نهرٍ كان يخفي عطشاً قديماً، وكلُّ نافذةٍ تربّي غروباً صغيراً كي لا تموتَ البيوتُ برداً. رأيتُ رجلاً يكنسُ الشارعَ كلَّ صباح، لكنّه في الحقيقة كان يكنسُ الليلَ عن أقدام الأطفال. ورأيتُ امرأةً تنشرُ ثوباً أبيض، غير أنّها كانت تنشرُ سلاماً مؤجلاً ليجفَّ تحت شمسٍ لم تولد بعد. عند حافةِ الوقت وجدتُ ساعةً بلا عقارب. قالت لي: من يقيسُ عمرَه بالدقائق لن يسمعَ كيف تنمو الوردةُ داخلَ الحجر. ومن يقيسُ قلبَه بالخسارات لن ينتبهَ إلى أنَّ النجوم ليست سوى ثقوبٍ صغيرة في عباءةِ الأمل. لهذا تركتُ اسمي على عتبةِ الريح، ومضيتُ خفيفاً كأنني السؤالُ الأخيرُ الذي نسيَ الكونُ أن يكتبَ له جواباً. ومنذ ذلك اليوم، كلما أغمضَ الليلُ عينيه، أرى أعمى يقودُ الجهاتِ الأربع بعصاً مصنوعةٍ من الضوء، وأفهمُ أخيراً أن البصيرةَ ليست ما نراه، بل ما يبقى مضيئاً بعد أن ينطفئ كلُّ ما اعتقدناهُ شمساً. ------


الكاتب: خلدون الدالي
0المفضلة
19 المشاهدات
0 تعليقات