• قصة قصيرة - شيء من الوفاء

    تسلل الشاب إلى أسوار القصر حاملاً وردة حمراء قَطَفها للتو، وضعها برفق على نافذة الفتاة، ثم تراجع إلى الخلف متخفياً ينتظر استيقاظها ليمتّع ناظريه برؤيتها كما يفعل كل يوم. أطلت الفتاة بشعرها الذهبي الفتّان، وبشرتها الناصعة التي تفوق اللؤلؤ بياضاً، وعينيها الخضراوين اللامعتين. وما إن وضعت كفيها على رخام النافذة، حتى أبصرت الوردة. التقطتها، والتفتت يميناً وشمالاً تبحث عن أثر لفاعل، لكنها لم تجد أحداً. دخلت غرفتها وملأت مزهرية بالماء لتحفظ فيها الوردة الناضرة. تكرر هذا المشهد مِراراً، حتى غلب الفضول عقل الفتاة، وعزمت على كشف سر هذا الزائر الغامض. استيقظت في اليوم التالي باكراً، وتوارت خلف الستائر تراقب الطريق. وما هي إلا دقائق حتى أقبل الشاب يحمل وردته كالعادة، ووضعها على النافذة. في تلك اللحظة، اندفعت الفتاة إلى الخارج مسرعة، والغضب يملأ ملامحها، وقالت بصوت حاد: — "من أنت؟ ولماذا تضع الورد على نافذتي؟" لم ينطق الشاب بكلمة، بل اكتفى بنظرة اعتذار وتراجع للوراء. زجرته الفتاة قائلة بوعيد: — "كيف تجرأت على دخول القصر؟ سأستدعي الحرس ليقضوا عليك!" هنا، تدخّلت الخادمة التي هرعت فور سماع الصراخ، وقالت: — "سيدتي، اهدئي.. هذا هو بستاني القصر، وهو أصم وأبكم. إذا أردتِ قَوْل شيء له فأنا أتقن لغة الإشارة لأن أخي يعاني من نفس الحالة." هدأت الفتاة وقالت: — "حسناً، اسأليه.. لماذا يأتي كل يوم ويضع هذه الوردة هنا؟" ترجمت الخادمة السؤال بحركات يديها، فأجابها الشاب بإشارات سريعة تحركت لها جوارحه. التفتت الخادمة إلى سيدتها والدمع في عينيها وقالت: — "سيدتي.. يقول إنكِ تشبهين زوجته الراحلة التي فارقت الحياة منذ زمن بعيد، وهو يحب أن يشكر الله في كل فجر لأنه جعله يرى ذكراها الحية في تفاصيل وجهكِ." لامس الخجل والندم قلب الفتاة، وأخذت الوردة برقة وقالت له متأثرة: — "شكراً لك.. ومنذ اليوم، سآخذها من يدك بنفسي عندما تأتي ." وتكررت الأيام، وغدا اللقاء الصامت طقساً يومياً يبعث الدفء في القصر. حتى جاء يوم استيقظت فيه الفتاة، لتجد أن الوردة التي تضعه في المزهرية قد ذبلت تماماً رغم عنايتها الفائقة بها. أسرعت إلى النافذة تترقب بستانيها الوفي، لكن الأفق كان خالياً. وعلى بُعد خطوات من أسوار القصر، ظهر موكب جنائزي مهيب يحمل نعشاً على الأكتاف. انقبض قلبها وعرفت أن رحلة الوفاء قد انتهت، فـالوفاء يموت حين يرحل أصحابه. بكت الفتاة حتى جفت دموعها، وصارت منذ ذلك اليوم تزور قبره بانتظام، تضع عليه وردة حمراء.. فكما خسر هو زوجته ذات يوم، فقد خسرت هي شيء من الوفاء. (النهاية) هذه القصة استلهمتها من كلمات الشاعر نزار قباني، والتي غناها العندليب عبد الحليم حافظ "قارئة الفنجال"، وتحديداً من هذه الأبيات: لكنّ سماءك ممطرة وطريقك مسدودٌ .. مسدود فحبيبة قلبك يا ولدي نائمة في قصرٍ مرصود من يدخل حجرتها، من يطلب يدها من يدنو من سور حديقتها، من حاول فكّ ضفائرها .. يا ولدي مفقودٌ مفقود

    الكاتب: معاذ

    0المفضلة

    38 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من معاذ

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • قصة قصيرة - شيء من الوفاء

    المزيد من معاذ

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة