قراءة في كتاب أسرار الضحك وصناعة النكتة- الجزء 2
Aug 2, 2026 04:06 AM Aug 2, 2026 04:06 AM
وفي الحديث عن بواعث الضحك فلا يمكننا إغفال "تكرار المصادفات اللذيذة" وتعني حدوث موقف نادر لأكثر من مرة في يوم واحد، فمثلاً، قد تصادف صديقاً في الطريق لم تجتمع معه منذ سنوات، فتصافحه وتتحدثان قليلاً ثم تفترقا، وبعد ساعة، تتفاجئ بوجوده عند ركوبك الحافلة، فتصافحه مجدداً وتتحدثا، ثم تجده مرة أخرى في المساء عند دخولك إلى المطعم! ويشيع استخدام التشبيهات الفريدة لإضحاك الآخرين، ويعرف هذا الباعث بـ"التشبيه المزدوج"، فإذا قلت لفتاة بأنها أجمل من القمر، فهذا ليس تشبيهاً مضحكاً، لأن المشبه به (القمر) من المسلمات التي يعرفها الجميع ويستخدمونها في التشبيه، وكذلك الحال إذا قلت عن أحدهم بأنه كريم كالبحر. ولكن إذا استخدمت شخصاً ما كمشبه به سيكون الأمر مضحكاً، كقولك بأن فلان أكسل من موظف! ويعد "التداخل" من البواعث المضحكة للغاية، ويعني دخول شيء حسي أو مادي على موقف جاد فيبعث في نفوسنا الضحك، تخيل أنك تستمع إلى عازف يشدو بأعذب الألحان ويأخذك بها إلى السماء، ثم تنظر إلى العازف لتجد أنه يشعر بحكة قوية في رقبته ويحاول التخلص منها، هل ستتمالك نفسك من الضحك؟ يروي المؤلف حادثة ظريفة عن التداخل وبطلها هو الشاعر السوري الشهير عمر الفرا في إحدى الندوات، إذ كان يلقي قصيدة على الجمهور، ثم تصعد فتاة جميلة إلى المنصة وتقدم له باقة ورد. يصمت الشاعر السوري قليلاً ثم يقول للجمهور بالعامية: "إي شو كنا عم نقول" ثم يواصل إلقاء قصيدته وسط ضحكات الجمهور. لقد ضجت القاعة بالضحك لتداخل الشيء الحسي أو المادي (الفتاة الجميلة) على الشيء الروحاني (القصيدة التي كان يلقيها عمر الفرا). أما "المبالغة" فهي من بواعث الضحك الشائعة بشرط ألا تتجاوز حداً معيناً إذ ستصبح مزعجة لدى المتلقي، فالمبالغة بالترحيب أو التبسم أو اللباقة قد تثير الضحك، وكذلك "التضاد" يبعث على الضحك، كأن تشاهد رجلاً ببنية جسدية ضعيفة يضرب مجموعة من الرجال الأشداء بعنف، أو رجلاً ذو بنية جسدية ضخمة يشعر بالذعر عندما يشاهد فأراً! ومن الأمثلة الطريفة على التضاد، أن يتقدم لابنتك عريس يفوقك عمراً، ويقول لك: "أرجو يا عمي ألا تقتل حبنا في مهده وأن تقبل بي زوجاً لابنتك!". أما آخر بواعث الضحك فهي "الانكشاف" وينقسم إلى ثلاثة أنواع: "الانكشاف التلقائي" كأن تكشف أحدهم دون أن يشعر بذلك، افترض أنك دخلت إلى مطعم وشاهدت صديقك يجلس مع فتاة ولم يفطن إلى وجودك في المطعم، فإذا اتصلت به وسألته عن مكانه فأخبرك بأنه في العمل ستضحك، وإذا طلبت منه الالتفات ليراك ثم شاهدت علامات الاستغراب على وجهه فستنفجر ضاحكاً. أما النوع الثاني من الانكشاف فهو "الانكشاف المؤقت" ويعني الظهور الاضطراري للطبيعة الداخلية عند محاولة إخفائها، فعندما يحاول الشخص العصبي أن يكون صبوراً ولطيفاً ثم يستفزه موقف ما فينفجر غاضباً، سيضحك الجميع من حوله! وأما "الانكشاف القسري" فيستخدم لإضحاك الأطفال عادة، كأن يظهر البطل مقيداً ثم يستجمع قواه لتحطيم تلك القيود والانقضاض على الأشرار، أو عندما يُهزم الشرير في نهاية المسلسل ويركض نحو الأفق مهزوماً وقد يتعثر أثناء هروبه ويسقط سرواله فتظهر مؤخرته. (********) والآن، يمكننا الإجابة عن السؤال الأكثر أهمية، كيف يكشف لنا الضحك صفات الآخرين؟ يقول المؤلف: "قل لي من تضحك أقل لك من أنت". وأقتبس هذه الفقرة من الكتاب للإجابة عن هذا السؤال. "فإذا أضحكتك الآلية أو النابضية أو التشيؤ فأنت طفل كبير. وإذا أضحكك الاطراد أو الدائرة المفرغة فأنت صبور وواسع الأفق. وإذا أضحكك خلل المرونة وتشابك السلاسل فأنت أناني وقاسٍ. وإذا أضحكك التداخل فأنت لماح، دقيق الملاحظة وانتقادي. أما إذا أضحكك الاختلاط فأنت متحرر ومغامر. وإذا أضحكتك المفارقات الدقيقة كالنقل والانكشاف فأنت صاحب رؤية متميزة. وإذا كنت تتفاعل مع هذه البواعث جميعاً فأنت ولا شك شاعر. وإذا لم يضحكك شيء .. فأنت غير موجود، أنت حقاً لست هنا!" (الصفحات 52-53). (********) لقد تغير كل شيء في عصر التكنولوجيا، وأصبحت السرعة هي سمة هذا العصر، وهذا ما يفسر انحسار النكت القديمة التي تتسم بالسردية، فالنكتة القديمة هي قصة لها مقدمة وحبكة وخاتمة، أما النكتة السريعة التي يتم تداولها في أيامنا فلها بناء مختلف، وتتخذ عادة صيغة سؤال تطرحه على المتلقي وتدفعه إلى طرح إجابات كثيرة ثم تفاجئه بإجابة غير متوقعه فتضحكه، وإليك مثال عن النكت السريعة. ما هي قمة الأدب؟ أن تطرق باب الثلاجة قبل أن تفتحه! حسناً، فما هي قمة العجب؟ أن ياتيك صوت من الثلاجة يسأل عن الطارق! ولم تعد مقالب غوار وحركات إسماعيل ياسين تضحكنا على الرغم من أنها أضحكت أسلافنا لعقود طويلة، ولا يعني ذلك أن بواعث الضحك قد تغيرت، ولكن طرق استخدامها قد تغيرت، فالنكتة الحديثة تتطلب ذكاء أكبر من المتلقي لفهمها. ولا يمكن صناعة الأعمال الكوميدية بالاعتماد على التقنيات الحديثة وخفة دم الممثل، فأبرز الممثلين السوريين الذين عملوا في الكوميديا يتسمون بشخصيات جدية، كخالد تاجا، وبسام كوسا، ومنى واصف وغيرهم الكثير. ولذلك، فإن المسؤولية الأكبر في صناعة العمل الكوميدي تقع على عاتق الكاتب! وأختتم هذه المقالة باقتباس من الكتاب: "علينا أن نبحث عن الضحك في عمق الألم.. ونفهم الألم في عمق الضحك" (صفحة 175). 19-آب-2024


الكاتب: عارف شهيد
0المفضلة
4 المشاهدات
0 تعليقات