• قراءة في كتاب الكبت لفرويد - الجزء 2

    يحدثنا فرويد في هذا السياق عن قصة مريض كان ينتابه قلق شديد إذا تواصل مع النساء ولا يشعر بذلك حين يتواصل مع الرجال، وقد أظهر التحليل النفسي تفسيراً لحالته، إذ حذرته أمه كثيراً من ضرر الاقتراب من النساء وبذلك سلطت إيحاءً قوياً على ذهنه جعلته يشعر بالقلق البالغ كلما تعرف بامرأة! والخوف الشديد من النساء ليس إلا رغبة جامحة لوصالهن، فالعديد من المشاعر التي تكون في اللاشعور تعبر عن نقضيها! تكمن المشكلة في مثل هذه الحالات في تلقين النصائح والتحذيرات وهو الذي ينثر ألغام الكبت في نفس المريض لتنفجر لاحقاً بشذوذه أو بالاندفاع نحو أي امرأة ليثبت لنفسه أنه رجل! يذكر فرويد قصة أخرى لرجل محافظ كان يثور إذا رأى امرأة متبرجة وفي أحد الأيام التقى بامرأة له بها معرفة بسيطة وكانت متبرجة فصفعها على وجهها فاستغاثت، وما إن اجتمع الناس حتى ارتمى على الأرض في إغماءة طويلة ولما أفاق واستجوبوه أنكر كل ما فعله! ولم يفعل الرجل فعلته هذه انتصاراً للعادات والتقاليد ولكنها نتيجة الحرمان الشديد الذي عاشه والذي خلق في أعماقه شذوذاً مقنعاً وهو ما يفسر كرهه المقيم للنساء! أما الإغماءة فليست إلا خدعة نفسية للتخلص من المأزق الذي تورط به. ويضيف فرويد: "وفي حالات الإغماءات أو الصرع النفسي، كثيراً ما يكون الدافع له شذوذ جنسي" ص94. وليس الشذوذ هو المظهر الوحيد للانحرافات الجنسية فهناك مظاهر أخرى كالغيرة، ولا يقصد فرويد الغيرة كمظهر الحب وإنما الغيرة التي تزيد عن ذلك إلى حد المرض، وهي مظهر من مظاهر الشذوذ الجنسي العنيف، وإليك قصة هذه المريضة؛ امرأة صارخة الجمال متزوجة من طبيب محترم، تحبه حباً عظيماً وهي شديدة الغيرة عليه من مريضاته، يخبرنا التحليل النفسي أن هذه المرأة لديها شذوذاً جنسياً مقنعاً فهي لا تغار على زوجها من مريضاته وإنما تغار على المريضات منه، وعندما تعجز عن تلبية أو كبت هذه النزعة الجنسية تجاه المريضات فتشهر سلاح الغيرة على زوجها لتعذبه فهي في أعماقها تكرهه لأنه يحول بينها وبين إشباع نهمها الحائر نحو النساء. وفي حالة أخرى لامرأة فائقة الجمال، كانت شديدة الغيرة على زوجها وفي الوقت ذاته، كانت لا تقيم وزناً لحياتها الزوجية، فما إن يخرج زوجها من المنزل حتى تتصل بصديقها ليزورها في المنزل. وقد أظهر التحليل النفسي أنها في أعماقها تكره زوجها وما الغيرة إلا وسيلة للتعبير عن الكراهية والغضب تجاهه وهي في الوقت ذاته ستاراً لخيانتها، وتزخر قصص التحليل النفسي بالعديد من حالات الغيرة التي تخفي ورائها انحرافات جنسية عديدة. ويقول فرويد في هذا السياق: "وليست الغيرة بالمعنى الصحيح عربون الحب وإنما هي رمز الأنانية الشديدة كما أنها رمز البدائية الأولى ولعل الغيرة أقوى الأسلحة التي يمكن للإنسان -تحت ستارها- أن يشبع ميوله الشاذة" ص103. وإذا كان إطلاق الغيرة من مكامنها يغطي انحرافات المرء جنسية، فإن كبت الغيرة يظهر صراعاته النفسية وانفعالاته، وعادة ما تظهر هذه الانفعالات في بيئة العمل! وإليك قصة هذا الرجل الذي يكتم غيرته على زوجته وتصيبه نوبات تشنج في فترات العمل، وقد أزاح التحليل النفسي عن أسباب هذه النوبات، فهو متزوج من امرأة صارخة الجمال ويحبها حباً شديداً، ولأن مرتبه الشهري ضئيل ولا يكفي متطلباتها الكثيرة فهو شبه متيقن من حقيقة خيانتها له مع رجل آخر، ولأنه لا يقدر على مواجهتها تظهر هذه النوبات في مكان عمله وهي ليست إلا احتجاجاً نفسياً على رؤسائه في العمل لزيادة مرتبه! إن هذه الأعراض الجسدية ليست ناجمة عن خلل عضوي وإنما نفسي، على سبيل المثال، جاء إلى فرويد شاب مصاب من شلل في يديه ولا يوجد خلل عضوي أو حادثة أدت إلى ذلك، وقد كشف التحليل النفسي عن شعوره العميق بالذنب لممارسته العادة السرية بكثرة ولم يستطع الامتناع عنها فكان هذا الشلل النفسي وسيلة لحل هذه الصراع، وهو يشبه الشلل النفسي الذي يصيب الجنود في ميادين القتال كي تتاح لهم فرصة الإعفاء من القتال! ولعل أعنف انفعال نفسي يخالج المرء هو قرار الانتحار ومرده الفشل في الحب، فالذي يعجز عن الحصول على فتاته يقدم على الانتحار ليحملها مسؤولية وفاته فلو أنها استجابت له لما قتل نفسه. وفي الحديث عن الانحرافات الجنسية فلا يمكننا إغفال البرود الجنسي في المرأة والضعف الجنسي عند الرجل، فكلاهما نتيجة الكبت والحرمان الشديدين! يروي فرويد قصة امرأة تحب زوجها حباً شديداً ولكنها لا تشعر برغبة جنسية تجاهه، وبالبحث في ماضيها وجد فرويد أن زوجها قد عيرها بقبح ساقها في ليلة الدخلة وهو ما جرح كبريائها وكبت رغبتها الجنسية تجاهه فظهر البرود الجنسي عقاباً له على سوء أدبه! والبرود الجنسي عند المرأة يظهر لأسباب كثيرة تعد ولا تحصى، فقد تكره المرأة زوجها، وقد يكون لديها شذوذ جنسي، وقد يكون السبب إدمان العادة السرية أو وجود ميول سادية. ولا يختلف حال الضعف الجنسي لدى الرجال عن البرود الجنسي لدى المرأة، إذ أن مرد الحالتين هو الكبت! فلو افترضنا أن رجلاً يميل إلى أن تعامله المرأة بقسوة وتزوج امرأة ضعيفة فإنه يكبت ميله الجنسي ويعيش حرماناً عاطفياً يودي به إلى الضعف الجنسي! يضيف فرويد في هذا السياق: "إن الانحرافات الجنسية عديدة وكثيرة في مظهرها، وأنت مهما حاولت أن تخفيها فلن تقدر على ذلك، والتفسير الصحيح لها أنها منفذ للرغبات المكبوتة التي تحاول الخروج من القاع إلى السطح" ص123. يبدأ النمو الجنسي عند الطفل بحب الذات، ثم ينتقل إلى مرحلة حب الجنس نفسه، ويكتمل ببلوغ المرحلة الثالثة وهي حب الجنس الآخر. ولكل مرحلة من هذه المراحل أنواع خاصة من الشذوذ الجنسي تظهر إذا تعرض الطفل فيها إلى الكبت، ويقصد فرويد بالشذوذ كل محاولة للوصول إلى تلبية الغريزة الجنسية بغير الطريقة المعروفة التي تؤدي إلى النسل. تمتد المرحلة الأولى حتى سن السابعة، ويظهر فيها "حب الرؤية" أي رؤية الآخرين وهم عراة أو خلال علاقة حميمة، وينشأ هذا النوع نتيجة قمع الآباء المستمر لأطفالهم وتحذيرهم من مشاهدة أو لمس أعضائهم، كما ينشأ عن الكبت في هذه المرحلة أيضاً "عقدة الإخصاء" عند الذكور وهو الخوف من فقدان أعضائهم إذ يميل بعض الآباء إلى تخويف أبنائهم من فقدان أعضائهم إذا لمسوها أو استعرضوها! تؤدي عقدة الإخصاء عادة إلى شذوذ آخر وهو "حب العرض" أي كشف العورة للآخرين. وفي سياق الضعف الجنسي، يتطرق فرويد إلى الحديث عن السادية والمازوخية، ففي هذه العلاقات لا يوجد دور للأعضاء الجنسية، لأن العلاقة الجنسية استبدلت بالقسوة والتعذيب، ولا يشعر المريض بالرضا من السرور الذي يشعر به أو الألم، ولكن بالإحساس الداخلي الناجم عنهما، ولا يلجأ الساديون إلى القسوة تعطشاً لها وحباً بها، ولكنهم يتوقعون أنها تسبب السعادة لشركائهم وترضيهم جنسياً. يستشهد فرويد بنظرية العالم هانلوك أليس التي تقول بأن الساديين والمازوخيين هم غالباً ضعاف من الوجهة التناسلية ولا بد من منشط قوي يثير إحساسهم الجنسي، ومن أمثلة هذه المنشطات السرور والحزن. ولفهم شدة هذه الميول السادية أوالمازوخية، يجب أولاً معرفة أن لكل إنسان طاقة حيوية تندفع من النفس في طريقين لا ثالث لهما؛ الأول حب السيطرة على كل ما يحيط به، والثاني تلبية الغريزة الجنسية، ولأن الكبت يسد الطريق الثاني، تتوجه الطاقة بأكملها في الطريق الأول؛ حب السيطرة، وهذا ما يفسر ظهور السادية أو المازوخية في حالة الكبت، وما المازوخية إلا سادية موجهة نحو الذات للسيطرة عليها! ولذلك، على المرء أن يوجه جزءاً بسيطاً من طاقته نحو الجنس وأن يصرف ما تبقى منها في تحسين مركزه الاجتماعي وأن يسمو بها كما فعل العديد من العظماء عبر التاريخ. أما ميل المريض لجنسه فهو من أكثر أنواع الشذوذ الجنسي شيوعاً، وتبلغ نسبة المصابين به حوالي 3% من سكان العالم، وقد ازدادت هذه النسبة كثيراً في الحربين العالميتين الأولى والثانية. ومع ذلك فهو ليس شذوذ جديد أو موجود بين البشر فقط، إذ لوحظ انتشاره بين بعض الحيوانات كالخنازير والقردة، كما أن التاريخ يخبرنا عن انتشاره بين الفلاسفة القدماء كأرسطو وأفلاطون، ويقول الأخير مفاخراً: "من الظلم أن تتهم عشاق الجنس بعدم التواضع فهم لم يلجؤوا إلى هذا الطريق لقلة تواضعهم بل لأنهم أقوياء الروح والرجولة فهم يبحثون عن شركاء من نفس جنسهم لأنهم يقدرون جنسهم هذا" ص147. ويعتقد فرويد أن منشأ الشذوذ يرجع إلى نقص في التربية الجنسية أثناء مرور الطفل في المرحلة الجنسية الثانية فيقول: "في جميع الأحوال، لاحظنا أن الشواذ في فترة من حياتهم ركزوا كل اهتمامهم في امرأة هي غالباً أمهم، فلما انقضت هذه الفترة ولم يجدوا أحداً يهتمون به أو من يمكن أن يحل محلها اهتموا بأنفسهم وبأمثالهم" ص148. وقد يظهر الشذوذ في المرحلة الثالثة من النمو الجنسي؛ حب الجنس الآخر، إذ يميل فيها الطفل إلى الجنس الآخر فيظهر فيها حب الابن لأمه والابنة لأبيها، وهو ما يدفع الشاب إلى البحث عن فتاة تشبه أمه ويدفع الفتاة إلى البحث عن رجل يشبه أبيها، وإذا حدث خلل في هذه المرحلة فقد يتعلق الطفل بأبيه والطفلة بأمها ثم يتحول ميلهما إلى جنسهم. أما آخر أنواع الشذوذ فهو عشق الذات أو ما يعرف بالنرجسية "نارسيزم"، وتعني تعلق المرء بنفسه، وسميت بهذا الاسم نسبة إلى "نارسيس" أحد أبطال الإغريق الخياليين الذي أولع حباً بنفسه حين رأى انعكاس صورته على مياه نهر كان يستحم فيه. تظهر النرجسية عند الأشخاص الحساسين وخاصة النساء، كما تشيع بين الذين فاضت عليهم الدنيا بكرمها وأقبلت عليهم كالمشاهير إذ يغريهم إعجاب الآخرين بنجاحهم! وقد تتطور النرجسية لتصبح نوعاً من حب الرؤية فيميل المريض إلى مشاهدة نفسه على المرآة أثناء العلاقة الحميمة. كما تعود جذور النرجسية إلى المرحلة الأولى في النمو الجنسي؛ حب الذات، فإذا لم يجد الطفل من يهتم به ويعطف عليه انصرف اهتمامه إلى نفسه، وفي حالة أخرى، إذا بالغ الأبوين في الاهتمام بالطفل فيرسخون حبه المبالغ لذاته. 27-تشرين الثاني-2024

    الكاتب: عارف شهيد

    0المفضلة

    10 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من عارف شهيد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • قراءة في كتاب الكبت لفرويد - الجزء 2