• ابن المقفع، عالم لم ينفعه علمه - الجزء 2

    وبعد أن قرأت درر القول في الأدب الكبير، انتابني فضول شديد للتعرف على كاتبها، فمن هو ابن المقفع؟ وُلد عبد الله بن المقفّع، واسمه قبل الإسلام روزبه بن داذويه، نحو سنة 106هـ/724م في جور بفارس، ثم نشأ في البصرة حيث تلقّى علوم العربية والبيان حتى فاق العرب فصاحةً ونظماً. عاش ابن المقفع في أواخر العصر الأموي وبدايات العصر العباسي. كان أبوه يُلقَّب بالمقفع بعد أن عاقبه الحجاج بن يوسف لتهمة السرقة من مال المسلمين فضربه على يديه حتى تشنجت أصابعه وتفقعت. نشأ ابن المقفع على المجوسية المانوية، ثم أسلم متأخرًا، ودخل العربية دخول المتمكّن، جامعاً بين الفارسية التي ورثها، والعربية التي أتقنها، واليونانية والهندية التي اطّلع على أدبها، ما أتاح له الاطلاع على ثقافات واسعة حتى أصبح أحد ألمع كتّاب القرن الثاني الهجري. امتازت مؤلفاته بعمق الحكمة وجمال العبارة، فدوّن الأدب الصغير والأدب الكبير ورسالة الصحابة، ونقل كليلة ودمنة إلى العربية نقلًا بديعاً حرر فيه الأسلوب وزيّن العبارة، حتى صار من روائع التراث العالمي. وكان ابن المقفع صاحب مروءة ووفاء، حاضر الذهن سريع الجواب، لكنه كان شديد السخرية، لا يتجنب لذع الكلمة ولا يمتنع من الطعن فيمن يستخف بهم. ومن هنا بدأت خصومته مع والي البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبي صفرة، إذ كان يعبث به ويهزأ منه، حتى إنه كان إذا دخل عليه قال: "السلام عليكما"، مشيرًا إلى سفيان وأنفه الكبير، فاشتد ذلك على الوالي وأضرم في نفسه حقدًا دفينًا، ثم قتله بتهمة الزندقة ولم يوجد في آثاره ما يدل على ذلك، وإنما كانت جرأته على سفيان هي من أودت به اشتد الخلاف بينهما حين قذف ابن المقفع أمَّ سفيان بكلمات جارحة أمام الناس، فازداد غيظ الوالي وأقسم ليقتلنه قتلة فريدة. فلما استدعاه واجهه بقوله: "أما تذكر ما كنت تقول عن أمي؟" وحين طلب ابن المقفع العفو قال له سفيان: "أمي مغتلِمة كما قلت، وسترى إن لم أقتلك قتلة لم يُقتل بها أحد قبلك". فأمر بتنّور فأوقده حتى احمرّ، ثم أمر رجاله بتقطيع أطراف ابن المقفع عضواً عضواً، وكلما قطعوا عضواً قال: "ألقوه في النار"، فيشاهده يحترق أمامه حتى مات من شدة التعذيب. وبعد أن فرغت من قراءة الكتاب وقصة ابن المقفع سألت نفسي: "كيف يضل رجل حكيم كابن المقفع فيعبث مع الوالي ويثير في نفسه هذه العداوة فيقتله؟". أعتقد أن الفترة التي عاش فيها ابن المقفع كانت مليئة بالاضطرابات السياسية فعند انقضاء دولة وقيام أخرى يكثر الهرج والقتل، وقد يكون ضحية لهذه الفترة المضطربة، ومن الممكن أن مؤلفاً من مؤلفاته قد تسببت بقتله، أو ربما قد زينت له نفسه ما فيها من الحكم والعلم وفصاحة اللسان وحسن القول فتجرأ على الوالي، وقد يكون سفيان ظالماً جائراً ورأى في ابن المقفع من العلم والفضل ما لم يجده في نفسه فأضمر له العداء، وربما قد تواطئ ابن المقفع مع أعداء الدولة ثم انكشف أمره. ولكن، أياً كان السبب، أرى أن ابن المقفع كان له من العلم حظ عظيم ولكنه لم ينتفع به، ولا أظن أنه كان سيموت هذه الميتة الشنيعة لو عمل بكلّ أو بعض ما كتب في هذا الكتاب، وليس هذا حال ابن المقفع، بل حال الكثيرين من أهل العلم الغزير الذين لم ينتفعوا بعلمهم فتقدم عليهم من هم أقل علماً وحكمةً، فاللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع! 11-كانون الأول-2025

    الكاتب: عارف شهيد

    0المفضلة

    5 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من عارف شهيد

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • ابن المقفع، عالم لم ينفعه علمه - الجزء 2