قصة - شجرة الأسرار
Aug 6, 2026 04:05 PM Aug 6, 2026 04:05 PM
في قديم الزمان، كانت هناك جزيرة تضّم قرية ساحرة، يزداد جمالها بوجود شجرة عملاقة آسرة للأنظار، لم يقتصر جمالها على هيئتها وضخامتها فحسب، بل امتد ليشمل فاكهة التفاح التي تنبت عليها. يُقال إن عمر هذه الشجرة يقارب الألف عام، ووراء وجودها قصة مثيرة؛ فقد كان يسكن الجزيرة ساحر بعيد عن الناس، يقيم في مغارة لا يُسمع فيها صوت إلا همسات لكلمات غريبة تتلى ليلاً. كان البعض يلجأ إليه طالبين المساعدة، وكان أكثر طلباتهم أن يمحو من ذاكرة الناس أفعال الظلم والخداع التي يرتكبونها؛ فكان الظالم الذي يظلم أو يسرق يلقي سحراً على المظلوم لكي ينسى ما حدث، فيمضي دون أن يطالبه بحقه. استمر الناس والساحر على هذا الحال سنين طويلة، حتى اقترب أجل الساحر وهَرِمَ. بدأ الناس يطالبون بفعل شيء قبل موته، ففكّر وأشار عليهم بزراعة شجرة، يضع عليها جزءاً من سحره، وقال لهم: 'من منكم أراد أن يخفي سراً، فليأتِ إلى هذه الشجرة وينقش عليها اسمه والسر الذي يريد إخفاءه، وستقوم الشجرة بمحو أثر ذلك السر وكأن شيئاً لم يكن'. ثم مات الساحر بعد أن زرع لهم 'شجرة الأسرار'. ظل الناس يتوالون عليها حتى كثرت الأسرار المنقوشة عليها، وبدأت تنبت ثمار التفاح حسب النقوش. وفي يوم من الأيام، أبحر شاب من إحدى الجزر البعيدة لينطلق ويكتشف بقية الجزر، كانت أول جزيرة يهبط عليها هي الجزيرة التي كانت بها الشجرة. اقترب من اليابسة ونزل من قاربه الصغير، ثم بدأ يحرك قدميه النحيلتين ويقفز قائلاً: "آه، لعلّي أجد شيئًا يُشبع جوعي. لقد أخذني البحر بأمواجه ولم يكرمني بسمكة تسقط في قاربي!" تجوّل على أطراف الجزيرة، متسائلاً عن الفرق بينها وبين جزيرته.، فظني لو كنت أبعت أكثر من كذا لكان رأت عيني أفضل مما أنا عليه , لكن الجوع يجبرني على البقاء استمر في المشي حتى وصل إلى تل مرتفع، فكُشف له المشهد. رصد بصرُه القرية البعيدة، وكان الوقت قد اقترب من إغلاق الأسواق. نظر إلى أقصى طرف القرية، حيث وجد الشجرة العملاقة، أقترب منها، وبدا يحوم حولها ويقول: "هذه ليست عندنا، وتلك الثمار أظن أنني لن أجد أطيب من طعمها، ولكن كيف سأتسلق؟ ظل ينظر إليها قليلًا، ثم لمح غصنًا منخفضًا، فابتسم وقال: حتى الأشجار في هذه الجزيرة كريمة أكثر من بحرنا البخيل! تسلق الشاب بخفة، وما إن أمسك بأول تفاحة حتى شعر بدفء غريب يسري في يده، لكنه لم يهتم كثيرًا، فالجوع أقوى من الفضول. قضم التفاحة قضمًا، ثم أخرى… ثم ثالثة، حتى امتلأ بطنه وارتخى جسده، نزل من الشجرة مستلقياً بظهره عليها وقال: "إن كان هذا سحرًا… فليبارك الله في هذا السحر!" وما هي إلا لحظات حتى تثاقلت عيناه ونام نومًا عميقًا استيقظ الشاب، وتثاءب وهو يقول: "نومٌ لم أنمه في حياتي!" – ولكن ما تلك الهمسات التي أحسست بها؟ سرقتُ… وخبأتُ…" "خدعته… ولم يعلم…" "بعتُه كذبًا… وضحكت عليه…" "أخفيت الحقيقة…" لم يهتم ومضى إلى القرية ليرى ما فيها ثم يمضي لباقي رحلته ما إن اقترب الشاب من القرية حتى بدأت الأصوات تتشكل شيئًا فشيئًا؛ نداءات الباعة تتعالى، تختلط بضحكات الأطفال، ووقع الأقدام على الأرض الترابية. كانت الأزقة ضيقة لكنها نابضة بالحياة، تتدلى من أطرافها أقمشة ملوّنة ترفرف مع نسيم الصباح، وتفوح في الجو روائح متباينة؛ تمرٌ ناضج، خبزٌ طازج، وتوابل حادة تلسع الأنف ثم تتركه مشتاقًا وقف بائع التمر خلف بضاعته، يلوّح بيده وينادي بصوت عالٍ: "التمر! التمر! التمر الطيب! تعالوا يا ناس!" اقترب الشاب، وقد شدّه المنظر، ونظر إلى التمر المتراص أمامه، ثم مدّ البائع يده بقطعة قائلاً: "تفضل يا فتى، تذوّق ولن تندم!" أخذ الشاب التمرة، وقضم منها، وابتسم في البداية… ثم فجأة تغيّر تعبير وجهه، وقال دون أن يفكر: "أريد من حصاد اليوم… لا من ذاك الذي تخلطه بالدبس لتُخفي فساده." سكت فورًا. اتسعت عيناه، ونظر إلى البائع، ثم إلى التمرة في يده، ثم قال مرتبكًا: "أنا… لم أقصد… أقصد… لا أعلم لماذا قلت هذا!" تجمّد البائع في مكانه، وتلاشت ابتسامته، وحدّق في الشاب بنظرة متوترة: "من أخبرك بهذا؟" تراجع الشاب خطوة، وهو يلوّح بيده سريعًا: "لا أحد! أقسم لك! أنا فقط… قلتها هكذا!" نظر حوله كأنه يبحث عن شخص يشرح له ما يحدث، ثم تمتم: "يبدو أن لساني سبقني… أو أن رأسي يقول أشياء لم أفكر بها!" أما البائع، فظل صامتًا، يراقبه بريبة، وكأن التمرة التي أعطاها له قد كشفت أكثر مما ينبغي. ابتلع الشاب ما تبقى في فمه بسرعة، وقال بخجل: "على كل حال… شكرًا على… التمرة." ثم ابتعد بخطوات سريعة، وهو يهمس لنفسه: "هذا ليس طبيعيًا… ليس طبيعيًا أبدًا…" لم يكد يبتعد عن بائع التمر حتى أخذ نفسًا عميقًا "حسنًا… مجرد صدفة… ولن تتكرر." لكن خطواته لم تبتعد كثيرًا، حتى لمح رجلًا يقف عند طرف السوق، يراقب الناس بصمت، وكأنه لا يريد أن يُرى. اقترب الشاب منه بحذر، وهو يحاول هذه المرة أن يلتزم الصمت "لن أتكلم… لن أتكلم…" وقف أمامه… ونظر إليه… وفجأة قال: "غريب ما أنت فيه … تهرب من رجلٍ أقرضك، وتظهر للناس كأنك لم تعرفه يومًا." سكت. ثم شهق بخفة، ووضع يده على فمه: "…لا!" نظر إلى الرجل بسرعة، وقال مرتبكًا: "أنا… لم أكن أقصدك! أقصد… لم أقصد أحدًا أصلًا!" لكن الرجل تغيّر وجهه، وتراجع خطوة، وقال بصوت منخفض: "من أنت؟" أجاب الشاب بسرعة: "أنا؟ أنا ضائع أكثر منك! والله لا أعلم لماذا أقول هذا!" حاول أن يضحك ليخفف الموقف، لكنه فشل، وقال: "يبدو أنني بدأت أتحدث عن الناس… دون إذن مني!" حدّق فيه الرجل طويلًا، ثم التفت حوله كأنه يخشى أن يكون أحد قد سمع، وانسحب بسرعة بين الأزقة. أما الشاب، فبقي واقفًا مكانه، ينظر إلى الفراغ، ثم قال: "حسنًا… هذه ليست صدفة." ثم رفع إصبعه محذرًا نفسه: "من الآن فصاعدًا… لا تنظر إلى أحد!" تابع الشاب سيره "لا تنظر… لا تتكلم… عش حياتك بسلام…" لكن عيناه خانتاه كعادتهما، فوقعتا على رجل ضخم يحمل حزمة حطب على ظهره، ويمسح عرقه وهو يلهث. اقترب الشاب منه دون قصد، ثم وقف… ونظر… وفجأة قال: "عجيب… تقطع الحطب نهارًا، وتقطع نصيب جارك ليلًا، ثم تقول: الرزق على الله!" تجمّد الحطّاب، وسقطت بعض عيدان الحطب من فوق كتفه. أما الشاب، فصفع جبهته بيده: "آه! مرة أخرى!" قال بسرعة: "لا أعلم لماذا قلت هذا! كنت فقط… أُعجب بالحطب!" الحطّاب اقترب خطوة، وقال بحدة: "أتعرفني؟" رد الشاب وهو يتراجع: "لو كنت أعرفك… لما وقفت هنا أصلًا!" ثم هرب قبل أن يكمل الحطّاب حديثه، وهو يتمتم: "حتى الحطب لم يسلم مني دخل زقاقًا آخر، فسمع صوت المطرقة يضرب الحديد: طنغ! طنغ! اقترب قليلًا، فرأى حدّادًا قوي البنية، يعمل بجد، والشرر يتطاير حوله. وقف الشاب بعيدًا، وقال لنفسه: "هذا مشغول… لن أنظر إليه…" لكنه نظر. وفورًا خرجت الكلمات: "تطرق الحديد جيدًا… لكنك لا تصلح ما كسرته في الناس." توقف الحدّاد عن الضرب فجأة. أما الشاب، فرفع يديه مستسلمًا: "لا! لا! هذه ليست مني!" ثم قال وهو يضحك بتوتر: "أقسم أن لساني يعمل لحسابه الخاص!" نظر الحدّاد إليه بعين ضيقة، وقال: "تكلم… ماذا تعرف؟" أجاب الشاب بسرعة: "لا شيء! بل أقل من لا شيء!" ثم أشار إلى رأسه: "إن وجدت من يشتري هذا العقل… فدلّني عليه!" وابتعد مسرعًا، قبل أن يتحول الحديد إلى شيء آخر خرج الشاب من الزقاق، وهو يلهث: "سأنجو هذه المرة… لن أنظر…" لكن فجأة مرّ أمامه رجل بملابس فاخرة، يمتطي حصانًا جميلًا، يرفع رأسه بكِبر، والناس تفسح له الطريق. حاول الشاب أن يدير وجهه… لكنه لم يستطع. نظر إليه. وقال: "حصانك أصيل… أما كبرياؤك فمستعار من خوفك." سكت. ثم همس لنفسه: "انتهيت… هذه نهايتي…" توقف الرجل، ونظر إليه من فوق حصانه ببرود: "أعد ما قلت." ابتلع الشاب ريقه، وقال: "لو أعدته… سأضيف عليه، وهذا ليس في صالحي!" ثم أشار إلى نفسه: "أنا لا أتحكم بما أقول… بل أحاول النجاة منه!" نظر الرجل إليه طويلًا، ثم حرّك حصانه مبتعدًا، لكن ملامحه لم تعد كما كانت وقف الشاب في وسط الطريق، يدور حول نفسه، وقال: "حسنًا… واضح أن المشكلة ليست في الناس…" ثم أشار إلى رأسه مرة أخرى: "المشكلة هنا!" ثم رفع رأسه فجأة، وكأن فكرة خطرت له: "أو… هناك…" و أشار نحو مكان الشجرة من بعيد لم تمضِ ساعة حتى امتلأ السوق بالضجيج، وكل من أصابه كلام الشاب هرع إلى الآخر، حتى اجتمعوا غاضبين وهم يقولون: "هذا الشاب يفضحنا!" "يعرف ما لا يُقال!" "لابد من إيقافه!" فأمسكوا به، وهو يحاول أن يشرح: "والله لا أعلم! أنا أكثر حيرة منكم!" لكنهم لم يستمعوا، وساقوه إلى قاضي القرية جلس القاضي في مجلسه، مهيبًا، يراقب الجميع، ثم قال بهدوء: "ما الأمر؟" تقدم أحدهم وقال: "هذا الشاب يقول عن الناس ما لا يعلمه أحد!" نظر القاضي إلى الشاب، وقال: "تقدم." اقترب الشاب بخطوات مترددة، وقال: "سيدي… قبل أن أتكلم… أريد أن أوضح أنني لا أتحمل مسؤولية ما سيخرج من فمي." رفع القاضي حاجبه وقال: "تكلم، وسنرى." تنفس الشاب بعمق… ونظر إليه… وفجأة بدأ الكلام يتدفق: "يا سيدي القاضي… تحكم بين الناس بالعدل في النهار… وتُميل الحكم في الليل لمن يدفع أكثر… وتقول: هذه هدية لا علاقة لها بالقضاء!" سكت. وقال بخوف: ما هي طريقة إعدامكم؟!! ساد الصمت. نظر الناس إلى القاضي… الذي تغيّر وجهه. لكن الشاب لم يستطع التوقف… أكمل، وصوته يخرج رغماً عنه: "وهذا الذي اشتكى… ليس إلا من بدأ الظلم أولًا… وذاك الذي صرخ… يخفي أكثر مما قيل عنه… وأنتم جميعًا… جئتم لتسكتوا صوتًا… قال ما تم كتمانه !" ثم توقف فجأة، كأن شيئًا انقطع داخله عمّ الصمت المكان. لم يعد أحد ينظر إلى الشاب… بل بدأ كل واحد ينظر إلى الآخر. وجوه متوترة… أنفاس ثقيلة… وأفكار لم يعد بالإمكان تجاهلها. أحدهم جلس على الأرض وهو يتمتم: "كنت أظن أن النسيان يكفي…" وقال آخر بصوت منخفض: "لكننا لم ننسَ… نحن فقط تجاهلنا… رفع القاضي رأسه ببطء، وقد زال عنه شيء من هيبته، وقال بصوت خافت: "الشجرة…" نظر الجميع نحوه. فأكمل: "هذه الشجرة لم تُخفِ شيئًا… بل أخّرت الحقيقة فقط." وقف أحدهم وقال: "بل كانت سببًا في فسادنا!" وقال آخر: "جعلتنا نأمن العواقب!" ثم ارتفعت الأصوات: "إلى الشجرة!" "لنقتلعها! توجه الناس جميعًا نحو الشجرة، بالفؤوس والأيدي المرتجفة. أما الشاب، فبقي واقفًا مكانه، ينظر إليهم، ثم قال بهدوء: "غريب…" نظر إلى يده، ثم إلى الناس، وقال: "كنت أظن أنني المشكلة…" ثم ابتسم ابتسامة خفيفة: "لكن يبدو أنني كنت مجرد… مرآة." سقطت الشجرة أخيرًا. وسكن كل شيء. نظر الشاب حوله، فلم يعد هناك من يهرب… ولا من يختبئ. ثم التفت نحو البحر، وقال: "حسنًا… مغامرة كافية لهذا اليوم." وسار مبتعدًا، لا يعلم ماذا حدث له… ولا لماذا كان يعرف… لكنه تعلم شيئًا واحدًا فقط: بأنه لن يأكل التفاح… مرة أخرى


الكاتب: معاذ
0المفضلة
32 المشاهدات
0 تعليقات