• جمهورية الجميع: دستور للبقاء من داخل «معبد الجمال

    جمهورية الجميع: دستور للبقاء من داخل «معبد الجمال في عصر القبح» بقلم: أحمد عبدالله علي القاهرة — أغسطس 2025 تأملت طويلاً في مصائر الجمهوريات التي سقطت؛ من روما إلى جمهورية فايمار، ومن جمهوريات وُلدت من رحم حلم جميل ثم انتهت إلى الانهيار. ما الذي يجمع بينها؟ ربما يمكن اختصار المأساة في تحول واحد: أن تتحول «جمهورية الجميع» إلى «جمهورية البعض». في البداية، تكون الجمهورية حلماً مشتركاً. يخرج الناس إلى الميادين، يهتفون، ويحلمون بدولة تشبههم جميعاً. ثم يتسلل السؤال الأخطر: من يملك هذه الجمهورية؟ ومن يملك حق تحديد من ينتمي إليها؟ عندما تتحول السلطة من خادم إلى سيد، يبدأ العد التنازلي. وأخطر لحظة في عمر أي جمهورية ليست بالضرورة حين يهاجمها عدو من الخارج، بل حين يقتنع جزء منها بأنه هو الجمهورية كلها، وأن الآخرين مجرد ضيوف أو عبء. نظرية التروس دعني أبسط الفكرة. تخيل الدولة آلة هائلة ودقيقة. هذه الآلة لا تعمل بترس واحد ضخم، بل بملايين التروس الصغيرة والكبيرة التي تتشابك وتتناقل الحركة. الترس الكبير هو السلطة التنفيذية بما تملكه من أجهزة ومؤسسات تنفيذية. والترس المتوسط هو المؤسسات. أما التروس التي لا تُحصى فهي المواطنون: أنت، وأنا، وبائع الخبز، والمعلم، والطالب، والفلاح، والطبيب، والعامل، وكل إنسان يشارك في صناعة الحياة اليومية. تبدأ الكارثة عندما يصاب الترس الكبير بجنون العظمة. يبدأ بالابتلاع. يبتلع ترساً صغيراً باسم «المصلحة العامة»، ثم ترساً آخر باسم «الاستقرار»، ثم يبدأ في ابتلاع المؤسسات باسم «الكفاءة». وفي النهاية يجد نفسه ضخماً، وحيداً، يدور في الفراغ. عندها تتوقف الآلة كلها. ليس لأن التروس الصغيرة كانت ضعيفة، بل لأنها كانت هي التي تنقل الحركة أصلاً. القبح في السياسة أن تظن أنك تستطيع أن تدور وحدك. والجمال أن تدرك أنك لا تتحرك إلا مع الآخرين. المبدأ التأسيسي المنسي تقوم فكرة الجمهورية الحديثة على مبدأ جوهري: أن السلطة العامة تستمد مشروعيتها من الناس، وأن الدولة ليست ملكاً لمن يتولى إدارتها. لكننا كثيراً ما نحول هذا المعنى إلى شعار، ثم نمارس عكسه في الواقع. المعنى الحقيقي لسيادة الشعب ليس أن يذهب المواطن إلى صندوق الاقتراع كل عدة أعوام ثم يعود إلى منزله. السيادة تعني أن السلطة ليست ملكاً شخصياً. لا يملكها رئيس، ولا حزب، ولا مؤسسة، ولا عائلة. السلطة أمانة. وهي مسؤولية مؤقتة تُمنح لخدمة المجتمع، لا امتياز دائم يُستخدم للسيطرة عليه. مصدر السلطة هو الناس، وغايتها خدمة الناس، وضمان استمرارها هو خضوعها للقواعد والمؤسسات التي تحمي حقوق الجميع. إذا اختل أحد هذه الأركان، فقد تبقى الجمهورية اسماً، بينما يتآكل معناها من الداخل. التروس الأربعة التي لا غنى عنها لكي تبقى «جمهورية الجميع» حية، تحتاج إلى أربعة تروس تعمل معاً، وتراقب بعضها بعضاً: 1. ترس الصوت — السلطة التشريعية البرلمان الحقيقي ليس مجرد مبنى، بل فكرة. فكرته أن للمواطنين أصواتاً مختلفة، وأن هذه الأصوات يجب أن تجد طريقها إلى المجال العام. إذا جرى تكميم هذا الترس أو تزويره أو إفراغه من معناه، فقدت الدولة قدرتها على معرفة ما يريده المجتمع. وعندما تفقد الآلة بوصلتها، قد تستمر في الحركة، لكنها قد تتحرك في الاتجاه الخطأ. 2. ترس الفعل — السلطة التنفيذية مهمة السلطة التنفيذية أن تنفذ القانون وتخدم المجتمع، لا أن تجعل إرادتها فوق المجتمع والقانون. هي قوة ضرورية لعمل الدولة، لكنها ليست مالكة للدولة. فالخادم الذي ينسى أنه خادم، ويظن نفسه سيد البيت، يبدأ في إفساد البيت كله. 3. ترس التوازن — السلطة القضائية القضاء المستقل هو أحد أهم الضمانات التي تمنع القوة من التحول إلى افتراس. وظيفته أن يحمي القانون، وأن يضمن ألا تتحول الدولة إلى مكان يأكل فيه القوي حق الضعيف. فإذا غاب استقلال القضاء، يمكن أن يتحول القانون من ميزان للعدالة إلى أداة في يد الأقوى. والجمهورية التي تمتلك سيفاً بلا ميزان، قد تتحول إلى غابة منظمة. 4. ترس الضوء — الإعلام والشفافية لا تستطيع أي آلة أن تعمل طويلاً في الظلام. الإعلام الحر والشفافية يسمحان للمجتمع بأن يرى ما يحدث داخل مؤسساته، وأن يسأل، ويناقش، ويحاسب. عندما يُحجب الضوء، تنتشر الشائعات، ويتراكم الفساد، ويتسع التآكل الداخلي. ثم يأتي الانهيار، ويقول الجميع: لم نكن نعرف. لكن المجتمع الذي يملك حق المعرفة لا يستطيع أن يستخدم الجهل ذريعة بعد أن يُغلق عليه باب الحقيقة. قواعد البقاء الثلاثة حتى لو امتلكت الجمهورية هذه التروس، فإنها قد تنهار إذا لم تحترم ثلاث قواعد أساسية. القاعدة الأولى: تداول السلطة لا ينبغي أن يبقى ترس واحد في القمة إلى الأبد. التغيير ليس تهديداً للدولة؛ بل أحد شروط بقائها. السلطة التي ترفض مغادرة موقعها في الوقت المناسب تتحول تدريجياً من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية في ذاتها. والخلود السياسي وهم. الجمهوريات لا تُبنى على وهم بقاء الأشخاص، بل على بقاء المؤسسات. القاعدة الثانية: حق الاختلاف لا يمكن لتروس الآلة أن تكون كلها بالحجم نفسه أو الاتجاه نفسه. اختلافها هو الذي يصنع الحركة. وكذلك المجتمع. الجمهورية التي تريد من الجميع أن يفكروا بالطريقة نفسها، ويتحدثوا باللغة نفسها، ويروا العالم من الزاوية نفسها، تحاول أن تجعل كل التروس متطابقة. وعندما تتطابق التروس تماماً، تفقد الآلة قدرتها على الحركة. الاختلاف ليس عيباً في الجمهورية؛ العيب أن يتحول الاختلاف إلى سبب لإلغاء الإنسان. القاعدة الثالثة: المواطنة فوق الانتماءات الضيقة عندما يدخل الإنسان إلى فضاء الوطن، يجب ألا تكون قيمته مرتبطة بدينه أو مذهبه أو قبيلته أو لونه أو أصله. المعيار الأول هو أنه إنسان ومواطن له حقوق وعليه واجبات. الانتماءات الخاصة يمكن أن تسكن القلب والبيت، لكن الوطن يجب أن يكون أوسع منها جميعاً. فالوطن الذي لا يتسع لمواطنيه المختلفين، يتحول من بيت مشترك إلى ملكية خاصة. بين القبح والجمال عشت عمري أبحث عن الجمال في عصر كثيراً ما يكافئ القبح. ومع الوقت، وجدت أن القبح السياسي يبدأ أحياناً بجملة واحدة يقولها ترس متغطرس: «أنا الآلة». بينما يبدأ الجمال السياسي بجملة أخرى أكثر تواضعاً: «أنا جزء من الآلة، وبدون الأجزاء الأخرى لا أساوي شيئاً». وهنا أستحضر قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ — آل عمران: 103 المعنى الذي أراه في هذه الآية يتجاوز مجرد الاجتماع الشكلي؛ إنه تذكير بأن القوة في الرابطة، وأن التفرق يجعل كل جزء أكثر هشاشة. لم ينج أحد وحده من أزمات التاريخ. ولن تنجو المجتمعات إذا تعامل كل جزء منها مع الآخر باعتباره عدواً أو عبئاً. المادة الأولى ومن هنا أقترح المادة الأولى لدستور «جمهورية الجميع»: المادة الأولى: نحن جميعاً، أو لا أحد. السلطة أمانة. الوطن للجميع. والكرامة حق لكل إنسان، مهما بدا صغيراً في عين السلطة. هذه ليست صيغة قانونية مكتملة، ولا بديلاً عن الدساتير والمؤسسات، بل هي الفكرة التي يجب أن تسبق كل مادة: أن الجمهورية لا تكون للجميع إلا إذا شعر الجميع أنهم جزء منها. أنا أحمد عبدالله علي، مواطن مصري بسيط. لا أملك حزباً، ولا منصباً، ولا سلطة. أملك هذا القلم، وشرفة صغيرة في القاهرة أرى منها أطفالاً يلعبون في الشارع. وأكتب لأنني أريد لهؤلاء الأطفال أن يكبروا في جمهورية لا يخافون فيها من أن يبتلعهم ترس أكبر منهم. جمهورية تقول لهم كل صباح: أنتم جميعاً أصحاب هذا البيت.

    الكاتب: احمد عبدالله على عبدالله

    0المفضلة

    15 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    الجمهورية، الحرية، المواطنة، الدستور، السلطة، 

التعليقات (0)

المزيد من احمد عبدالله على عبدالله

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • جمهورية الجميع: دستور للبقاء من داخل «معبد الجمال