• "انطواء العالم الأكبر "

    لِلْكونِ مداركٌ شاسعة العوالم،لن يَعِيها من يتربص في أحناكِ واقعه المادي، بل يستمد منها لذة الطوفان الذي يتنعم بومضة لحظاتٍ وهو يمد بصره إلى غشاء السماء المعتم فتخترق بصيرة تأمل مُشعة خلايا فكره،ومن يصد عيناه حاجز الجبل الشاهق فيعلو إقرارٍ على عظمة تتجاوز بُنية تركيباته الخيالية، بأن هذا الوتد يثبت كوكب يطوف حول محورهُ، ومن تسقع روحه لهواءٍ يُرخي شرارتها فيسرح في بسقٍ كأنه يستعيد شتاتٍ حلَّ به، ومن تصغِ جوارحه متأنيًا وُلوج ليلٍ في نهارًا ونهارًا في ليلٍ دون خللٍ أو تأخير ،ومن تستجيب حواسه لزخات المطر فيغدو جفافه طريًا نديًا.يحتلني موطئًا يُخلّد فيه أملٌ فأنثر كياني فيه منشرحة ،كُلُّ هذا لأن بصري متجهًا من خلف أسوار فناء الدار إلى حقولٍ خضراء وجبالٍ شاهقة وقمر منتصف الشهر قد صار بدرًا يهب الأشجار انعكاس ساحرًا والبرد يتسلل إلى أطراف وجداني ويعم السكون أثر ارتداء الليل لباسه ورائحة التراب بعد المطر يزداد تدريجيًا كل ما عمّ الهدوء وعلى يساري الكراسي متناثرة شاهدة على مساءٍ مفعم بالأحاديث والقصص والمشاعر ،ويتبين أكثر أن مقصد سفرنا هي هذهِ السكينة أن تعيش داخل بيتٍ لفترة ما في قرية نائية بعيدًا عن بلدة صاخبة ومدينة تضج بضوضاء السرعة والصناعة والمطاردة المُهلكة، تراودني ثكنة تساؤلات فضولية من يسكن ذالك المنزل ومن حرث هذا الحقل وكم عمر إمام ذالك المسجد ومن تأجر المنزل قبلنا وكيف حال أمة هذه البقعة وكيف بدأ الناس الهروب ونزوح من القرى المموجة إلى سطح أرضٍ مالذي يحث السابقين أن يمرروا هذا النزع من الطبيعة والأصل إلى القحط والغرابة ،على أني في استياء من كل هذا لكنِ أعلم أني بعد بضع ليالٍ سأعود إلى زحمة ذالك العالم.في هذهِ اللحظة الشاعرية بكل ما تحمله من مشاهدٍ عديدة داخل إطار موحد يستفيض شيءٌ ما وتنبثق منه أحلام مررت بها وأحلام كالمجرات تحوم في فضاء عقلي،وتسري فيِّ نشوة مقيدٍ في ذاته وقع أسير حُرية مطلقة فكم لهذا الخيال أبوابًا تستضيفك بضيافة إخراجك إلى برزخٍ لا يبغي عليك واقعٌ مؤلم ،إنهُ خيال من ضماد يُلئم قشور منك تطايرات وقد تكون حياةٌ أخرى تسري نحوك بكثافة كما تشتهي وترجو،وإحدى العوالم هي اسطورة مضت وأستعيد معاصرتها في هذهِ اللحظة الساطعة أمام رخاء الذاكرة عن مشهد خروجي من ملاحم العذابات التي خضتها وسارت بداخلي وحولتني إلى أشلاء بيديها ، ولكن بيدي الحنونة تداركت البقايا وأعدتُ لي ساحة شاسعة أخلق فيها من بصيص السخط رضى، ومن ألم الولادة الجديدة تكاثر لا ينقرض، ومن كبد الحزن إنفلاق البهجة، ومن إحتراق الأحشاء حكمة البرود ، ومن جهنة الظلام سطوع الفجر، ومضيت وما زلتُ أمضى، وتتمدد الطرقات كلما رأت حِدة خطوتي فإن وعكت الروح في الإستراحات تذكرت الحرب التي زارتني في القرية وظننتُها قدوم عروسةٍ، والحطب الذي حملته فوق رأسي وصنعت لي أمي عليه الموائد ، والمواشي التي الحقتني جدتي خلفها كي تُسقيني منها رشفة لبن، وجلوسي تحت جذع الشجرة أنظر إلى أمي ويديها ووحدتها وهي تقلب الخبز كي تلقمني دفئه والجبال الوعرة التي مزقت قدمي كي أذهب لمعلم في أول خطأ يصقع يدي بعصاه ، فتعلمت الحروف وكتبتها بعد دمعة الخوف والآن بالحروف أزيح ثقل الخوف ، إنها أسطورة النضج لطفلة أرتلها في وحدتي أمام المرأة التي صِرتُها، فلا أحمل لكل هذه الصفحات شدة الطي بل أعود متمعنة أسرد عليّ تأويلها وأنا في غاية المنة وأسترجع حنايا ما مضى وأستدعي حنايا ما سيأتي بِقوتٍ إلهي من الرجاء لأني أجر جثة جسدي وأحياء فكري إلى المعبود في كل حين ووتر وضحى لأن قدراته وحدها من تجرجرني إلى عالمي الروحي وتهبني زوارق الجمال في النظر والفكر والتأمل والسرح والنطق والصمت، ولو قُطعت أوصالي فجمائل صنعه فيِّ وفي تدبيره تمد أحبالٍ تعصم فؤادي نحوه، فلا أخشى فوت شيء تبجل في أفواه الناس ولا أقبض على منبسطٍ ينفر من صفائحي ولا أتحسر على مالم يُسطر في مجريات أقداري ولا أبحر محاربة الموج انعكاس تياري ،فأنا مُدركةٌ لومضات عوالمي وتوقظني شساعة كوني الأبدي في حياتي الأخرى … 4:00 فجرًا أبها

    الكاتب: جهينة

    0المفضلة

    18 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

التعليقات (0)

المزيد من جهينة

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • "انطواء العالم الأكبر "