• قصة قصيرة - أسرنا الصباح بقدومه و صيدنا اليوم طيب

    في أحد الأيام ، خرج رجل من بيته قاصدًا واديًا اشتهر بكثرة الغزلان. كان يحمل قوسه وسهامه، ويمشي بين الصخور والأشجار منذ الصباح، لكنه لم يجد ما يستحق عناء الصيد. وبعد طول بحث، لمح غزالًا هزيلًا يرعى وحده. قال في نفسه: هذا يكفيني ليسكت جوعي. شد قوسه وأطلق سهمه، فأصاب الغزال. وبينما كان يقترب منه، لمح بين الأشجار غزالًا آخر، لكنه لم يكن كالغزال الأول. كان ضخمًا، ممتلئ الجسم، حتى إن الرجل نسي صيده الأول واندفع خلفه. ظل يتبعه حتى اقترب منه، ثم اختبأ خلف صخرة، وأخرج سهمًا جديدًا وشد الوتر. لكن قبل أن يطلقه، ظهرت خلف الغزال فتاة. كانت شقراء، جميلة على نحو لم ير مثله من قبل، حتى خُيل إليه أن الشمس قد سقطت من السماء واتخذت هيئة امرأة. رفعت يدها اليمين. ثم طرقت بأصبعها. طق. وفي اللحظة نفسها، انفصل رأس الغزال عن جسده. تجمد الرجل في مكانه. لم يعرف هل يهرب أم يبقى، بينما انحنت الفتاة وأخذت الغزال، ثم مضت به نحو مغارة بين الصخور. تبعها الرجل من بعيد، مدفوعًا بفضوله أكثر من شجاعته. دخل المغارة. كان الظلام يحيط به، ومن الداخل سمع صوت الفتاة يغني بصوت عذب: أسرنا الصباح بقدومه، وصيدنا اليوم طيب... ثم سكت الصوت. وفجأة جاءه صوت من خلفه: من أنت؟ استدار الرجل بسرعة، فإذا بها واقفة خلفه. تراجع خطوتين وارتجف، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم... أأنت إنسية أم جنية؟ ابتسمت وقالت: إن كنت تريدني إنسية فأنسية، وإن كنت تريدني جنية فجنية. لكن من أنت؟ قال وهو لا يزال يمسك بقوسه: أنا رجل خرج للصيد، ولم أكن أعلم أن هذا الوادي يخفي شيئًا مثلك. قالت: ولماذا تبعتني؟ قال: رأيت ما فعلت بالغزال، فغلبني الفضول. نظرت إليه قليلًا، ثم قالت: أظن أني عثرت على صيد جديد. ابتلع الرجل ريقه، وحاول أن يلاطفها: لا أعتقد أن واحدة بجمالك ستأكل أشهبًا وتترك الغزال. ابتسمت : وهل تحاول أن تنجو بكلامك؟ قال: ربما. فقالت بهدوء: لكني لست أنا من سيأكلك، بل إخوتي. فهم يأكلون لحوم البشر. تغير وجه الرجل. قال: إخوتك؟ قالت: نعم، وهم هنا. وقبل أن يقول شيئًا، سمع صوتًا من أعماق المغارة: لميس... أين أنتِ؟ التفتت الفتاة وقالت: أنا هنا. تعال واحمل هذا الصيد الذي أتانا بقدميه. لم ينتظر الرجل أكثر. استدار وركض نحو المخرج بكل ما بقي فيه من قوة. كان يسمع خلفه خطوات تقترب، وضحكات تتردد بين الصخور. وصل إلى حافة المغارة ومد يده نحو الخارج. لكن قبل أن يخرج، دوى صوت هائل هز المكان. انهارت صخرة ضخمة وسدت المدخل. تراجع الرجل مذعورًا. ومن خلفه تعالت الضحكات. لا مفر... لا مفر... أحاطت به الأصوات من كل جانب، ثم ظهرت أمامه عشرة أشكال غريبة، رجال طوال، قبيحو الوجوه والهيئات. أمسكه اثنان منهم وحملاه إلى أعماق المغارة. كان الرجل يقاوم ويتوسل: أرجوكم... أنا رجل ولي أطفال. دعوني أعود إليهم، والله ما أردت بكم سوءًا. لكنهم لم يجيبوه. حتى وصلوا إلى مكان واسع، وهناك رأى حوضًا كبيرًا يتصاعد منه البخار، والماء الساخن يغلي داخله. اقتربوا به من الحوض. صرخ الرجل: أرجوكم! خذوا قوسي، خذوا كل ما أملك، فقط دعوني أذهب! ثم التفت إلى لميس، التي كانت تقف بعيدًا تراقبه. قال: أنتِ... أرجوكِ، أخبريهم أن يتوقفوا. اقتربت منه ونظرت إليه. وقبل أن تتكلم، سمع صوتًا آخر يأتي من أعماق المغارة. التفت الجميع. وفجأة... قم... قم. فتح الرجل عينيه مذعورًا. كانت زوجته تهزه بيدها. قالت: قم، نحن جائعون. اذهب واصطد لنا غزالًا. ظل ينظر إليها لحظات، ثم نظر حوله. كان في بيته. لا مغارة، ولا لميس، ولا إخوة، ولا حوض ماء ساخن. أخذ نفس عميقاً وقال: الحمد لله... كان حلمًا. ثم التفت إلى زوجته وقال: يحرم دخول الغزال إلى هذا البيت! خرجت زوجته من الغرفة وهي تضحك من كلامه، بينما بقي هو جالسًا يحاول أن ينسى تفاصيل الحلم. بعد قليل قال لها: اذهبي إلى النهر واصطادي لنا بعض السمك. خرجت زوجته، وبعد وقت عادت وهي تحمل مكتلًا مليئًا بالسمك. نظر الرجل إلى المكتل وضحك وقال: ما هذا؟ أكل هذا صيدك؟ قالت: لا. ثم وضعت المكتل أمامه. تغير وجه الرجل. قال: ماذا حدث؟ جلست زوجته وقالت: بينما كنت أصطاد، ظهرت فتاة عند الضفة الأخرى. تجمد الرجل. قال بصوت خافت: كيف كانت؟ قالت: شقراء... جميلة جدًا. لم يجب. شعر أن قلبه بدأ يخفق بقوة. تابعت زوجته: كانت واقفة بجانب الماء، ثم رفعت يدها وطرقت بأصبعها. قال: وماذا حدث؟ قالت: فجأة قفز السمك كله من الماء وسقط داخل مكتلي. نظر الرجل إلى المكتل. كانت الأسماك تتحرك بداخله. ثم رفع عينيه ببطء إلى زوجته وقال: وماذا قالت لك؟ ابتسمت زوجته. لكن ابتسامتها لم تكن ابتسامتها المعتادة. اقترب الرجل منها وقال: ماذا قالت؟ مالت نحوه وهمست: قالت لي شيئًا لم أفهمه في البداية. قال: ماذا؟ اقتربت أكثر، ثم قالت: الحلم حقيقة. توقف قلب الرجل لحظة. نظر إلى زوجته، ثم إلى السمك، ثم إلى باب البيت. وفجأة سمع من الخارج صوتًا عذبًا يغني: أسرنا الصباح بقدومه، وصيدنا اليوم طيب... النهاية

    الكاتب: معاذ

    0المفضلة

    23 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من معاذ

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • قصة قصيرة - أسرنا الصباح بقدومه و صيدنا اليوم طيب

    المزيد من معاذ

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة