مَخَاضُ الظِّلّ
Oct 24, 2026 04:03 PM Oct 24, 2026 04:03 PM
(مستهل النص / الأب يفتتح الوجع) حَمَلَ الفَنَاءُ فَتَاةَ أَحْلَامِي أَمَلْ فَأَتَى المَخَاضُ وَمَا انْثَنَى وَجَعُ الثِّقَلْ! وُلِدَتْ حَبِيسَتُنَا تُعَانِي بُؤْسَهَا تَبْكِي، وَيَبْكِي قَبْلَهَا أَسَفُ الطَّلَلْ أَسَفَاهُ يَا رُوحِي عَلَى رُوحِي الَّتِي جَهَرَتْ بِمَا يَجْنِيهِ إِضْمَارُ الأَزَلْ وَا نَبْضَهَا... ذَرَفَتْ دِمَاءَ النِّيلِ تَغْسِلُ عُمْقَهَا لَمْ تَدْرِ أَنَّ الدَّمْعَ يَنْزِفُ فِي القُرُوحْ وَمِهَادُهَا رَغْمَ البَيَاضِ الْمُشْتَهَى، غَطَّتْهُ أَصْدَاءُ الْمَعَابِرِ وَالصُّرُوحْ أَسَقَيْتُهَا دَفْقَ الحَنِينِ مُهَدْهِدًا؟ أَمْ لِلْوَرَى أَلْقَيْتُهَا بَدَنًا بِرُوحْ؟ وَا نَبْضَهَا... يَا وَحْيَ نَفْسِي! فَاحْرُسِ البَحْرَ التَّلِيــدَ وَدَاوِهَا كَسْرَ الْمَنَابِضِ وَالشِّيَاحْ وَجَعِي لِأَنْ تُسْقَى بِكَأْسٍ مِلْؤُهَا نَخْبُ المَآسِي مِنْ أَخَادِيدِ الجِرَاحْ فَلِمَ اسْتَبَاحَ الحُزْنُ كُلَّ حُدُودِهِ؟ وَيُعِينُ سَطْوَتَهُ هَزِيمٌ وَاجْتِيَاحْ! (الابنة.. في ظلال غياب الأم) أُمَّاهُ لَوْ أَعْطَيْتِنِي قَبَسًا يُضِيءُ مَسَارَنَا عَبْرَ السِّنِينْ. أُمَّاهُ لَا عَرْشًا فَرِيدًا، لَا نُجُومَ وَلَا كُنُوزًا ابْتَغَيْتُ، وَلَا غَنِيَّاتِ العُيُونْ. لَوْ كُنْتِ قُرْبِي مَا اسْتُحِلَّتْ أَدْمُعِي، مَا شَابَنِي خَوْفٌ، وَلَا فُتِحَتْ دَهَالِيزُ السُّجُونْ. (الابنة تحدث نفسها) مَا ذَنْبُ أَنْ تَلْقَى البَرَاءَةُ حَتْفَهَا؟ مَا سِرُّ أَنَّ الصَّدْرَ مَحْسُورٌ وَمَأْسُورُ الضَّمِيرْ؟ أَيَهُونُ أَنَّ الْوَهْنَ يَغْمِي ضَحْكَتِي؟ مَا سِرُّ أَنَّ البَحْرَ مَسْجُورٌ وَمَأْسُورُ الزَّفِيرْ؟ وَلِمَ الْغَبَائِنُ لَا تَنَامْ، وَتَدُكُّ بَوْحَ مَرَابِضِي؟ وَشَوَارِعِي ثَكْلَى تَنَادَى قَهْرُهَا! وَلِمَ المَدَامِعُ لَا يُكَفْكَفُ سُؤْلُهَا، وَلِمَ المَوَاتُ يَتِيمَةً، تَشْكُو البَيَانَ المُسْتَطِيرْ؟ (الابنة تسائل ظل الأب) آلَافُ أَلْوَانٍ وَأَطْيَافٍ بِحَوْلِي تَزْدَهِي وَتَرَنَّمُ، وَأَنَا بِبَهْوِي أَرْتَدِي طَيْفَ السَّوَادْ. مَا بَالُ يَأْسِكَ يَسْتَفِزُّ رَتَابَتِي؟ وَوَبَالُ بَعْضِكَ قَدْ تَمَرَّدَ جُنْحُهُ، مَا بَالُهُ لَا يَمْتَطِي شُهْبَ الرَّشَادْ؟ مَا ضَرَّ فَقْدَكَ أَنْ تَنَامَ ظِلَالُهُ؟ تَنْسَلُّ جُنْحَ الفَقْدِ، تَقْذِفُ حِقْدَهَا، لِتُعَتِّمَ القَبَسَ الخَفِيضْ، تَغْتَالُ آمَالِي الصِّغَارْ، وَتُحِيلُ أَزْهَارَ الْجُنَيْنَةِ مَأْتَمًا، وَتُشِينُ مَا قَدْ زَانَهَا، مَا بَالُ لَيْلِكَ يَقْتَفِي دَمْعَ المِدَادْ؟ (الابنة تفضي بعتبها للأب) أَبَتَاهُ يَا وَجَعًا أَذَابَ تَأَلُّمِي، حَقًّا سَئِمْتُ لِبَاسِيَ المُسْوَدَّ دَوْمًا وَانْهِيَارَاتِ الأَمَانِي وَافْتِرَاءَاتِ الشُّجُونْ. فَأَحِنُّ لِلطُّرُقَاتِ تَنْشُرُ بِشْرَهَا، وَأَتُوقُ أَسْوَارَ المَدَارِسِ، مُلْتَقَى الأَحْبَابِ أَبْوَابَ العُبُورْ. أَبِأُمِّنَا جَافَيْتَ أَبْيَاتَ الفَرَحْ؟ أَمْ مِنْ بُكَائِي تَسْتَعِيرُ تَسَاقُطَ الكَلِمِ الحَزِينْ؟ (الأب يلملم ركام السنين) "لَا يَا بُنَيَّةُ إِنَّهُ الرَّهَقُ الْفَسِيـــحُ يَمُدُّهُ قَصْرُ انْكِسَارَاتِ الْجَنَاحْ آلَافُ أَعْجَازٍ تَنُوحُ تَأَلُّمًا وَتَنَاثَرَتْ أَشْلَاؤُهَا مِلْءَ البَرَاحْ عَجَبًا لِذِكْرَاهَا الَّتِي لَمْ يَثْنِهَا كُلُّ التَّحَسُّرِ وَالنَّدَامَةِ، وَالجِمَاحْ!" (الابنة مستبشرة) فَفِدَاكَ أَفْرَاحِي وَمَا جَرَّتْهُ هَوْجَاءُ الرِّيَاحْ. بُؤْسًا لِأَنْوَاءِ المُنَى، وَابْشَرْ بِآيَاتِ التَّجَلِّي وَالتَّيَقُّنِ وَالصَّبَاحْ. فَلَطَالَمَا دُكَّتْ ظُنُونُ الحَاسِدِينَ بِبَسْمَةٍ، مِنْ بَعْدِ أَطْيَافِ النَّوَاحْ. فَالظُّلْمُ جَمْرًا يَلْفِظُ، وَالْهَمُّ يَأْكُلُ بَعْضَهُ، وَالنُّورُ مِنْ شُرَفِ الفَلَاحْ. وَالعِشْقُ إِنْ سَلَبَ المُحِبَّ فُؤَادَهُ، فَالرُّوحُ تَنْبِضُ بِالسَّمَاحْ. (الأب يختم) وَالْفَـجْرُ أَبْلَغُ مِنْ تَقَاطُرِ أَدْمُعٍ مُخْتَـالَةٍ سَــالَتْ عَلَى سَهْلِ الخُـــدُودْ ضَنَّتْ بِمَا رَحُبَتْ بِهِ لَا حَرْثَ بَاتَ يُطِيقُهَا وَالجَفْنُ يُضْنِيهِ الصُّمُودْ حَتَّى أَشَابِيحُ الهَوَى قَدْ أَذْعَنَتْ مِنْ مُرِّ طَعْمٍ آثَرَتْ هَوْنَ الشُّرُودْ وَالحُزْنُ أُدْمِيَ مِنْ فَظَاظَةِ حُزْنِهِ حَتَّى وَنَى مِنْ بَرْحِهِ عِشْقُ الخُلُودْ وَا نَبْضَنَا... آمَـالُنَا كُنْهُ البَــقَاءِ وَمَا لَنَا.. أَوْصَالُنَا تَبْنِيهِ مَا هَـدَمَ الْوُجُـــودْ أَجْيَالُنَا، أَسْبَابُنَا، أَمَلٌ يَعُودُ بِظِلِّـنَا.. فَإِذَا خَبَوْنَا.. مَا تَعُودْ! هوامش: - البحر: الكامل، بتفعيلته (مُتَفَاعِلُنْ) وصورها العروضية. - "أَشَابِيح" صيغة مولَّدة قياسًا، بوصفها جمعَ جمعٍ لـ"أشباح"، على بناء أفاعيل من أفعال، وقد استُثمرت شعريًا للتكثير والتراكم، مع استيفاء البناء الإيقاعي.


الكاتب: حسن عبدالرحمن موسى مصطفى
0المفضلة
10 المشاهدات
0 تعليقات