• جِسْرٌ مِنْ نَارٍ

    تَشِيدِينَ بَيْتًا بِطِينِ الفِرَاقِ، تَظُنِّينَ قَهْرًا سَآوِي إِلَيْهِ؟ تُعَلِّينَ سَدًّا يُعِيقُ حَنِينِي؛ وَيُغْوِي مَصَبِّي، يُعَطِّشُ صَبْرِي، يُحَوِّلُ دَفْقِي مِنَ النُّورِ هَمًّا، وَبُعْدًا، وَتِيهْ، وَأَشْجَانُ حُبِّي مِنَ النَّارِ جِسْرًا يَقُودُ إِلَيْكِ.. فَلَا أَرْتَقِيهْ!؟ ─── فَإِنِّي أُحِبُّكِ.. لَا تَسْأَلِينِي، وَلَا تَعْجَبِي إِنْ بِصَمْتٍ شَكَوْتُ؛ مِنَ اليَأْسِ عَمْدًا إِلَيْكِ دَنَوْتُ، وَصَاحَتْ بِكَتْمٍ تَفَاصِيلُ وَهْنِي: غَرِقْتُ.. غَرِقْتُ.. فَلَمْ تُدْرِكِينِي، وَلَنْ تُنْقِذِينِي! لِأَنَّ الزَّمَانَ بِوَصْلِي تَرَدَّى، وَأَنَّ المَكَانَ بِفَصْلِي تَعَدَّى، بِرَغْمِ انْكِسَارِي فَلَمْ أَسْتَكِنْ، وَصَارَ يُحَطِّمُ كُلَّ اصْطِبَارِي، وَيَهْوِي بَعِيدًا بِكُلِّ انْتِصَارِي، كَأَنَّ الغَرَامَ بِحِلِّي حَرَامٌ، وَبُعْدِي يُبِيحُ جَفَاءَ المُدُنْ! ─── وَشِعْرِي غَرِيبٌ إِذَا مَا أَتَاكِ، وَإِنْ صَدَّ عَنْكِ تَبَاكَيْتِ قَسْرًا؛ كَأَنَّكِ سَابَقْتِهِ لِلسَّمَاءِ، لِتَشْكِي شَقَاهُ لِصَدْرٍ فَطِنْ. وَإِذْ مَا أَنَابَ إِلَيْكِ وَتَابَ، تَلَعْثَمَ فَصْحًا، وَحِينًا رَطَنْ! يُدَوِّي بِعِشْقِي هَدِيرُ التَّعَنِّي، وَيَشْجُو العُصُورَ بِلَحْنٍ وَفَنْ. ─── وَأَهْدَرْتِ حُلْمِي، وَزَهْوَ اعْتِرَافِي؛ وَلَمْ تَكْتَفِي مِنْ رَحِيقِ ارْتِشَافِي، وَحَالَفْتِ بَعْضِي يُنَاوِئُ بَعْضِي، فَيَرْمِي قَرَارِي شَرِيدَ المَنَافِي! وَلَمْ تَذْكُرِي أَنَّ بَعْضِي قِلَاعٌ، وَلَمْ تُدْرِكِي أَنَّ بَعْضِي مَرَافِي، وَلَمْ تَشْهَدِي أَنَّ حَبْسِي وِصَالٌ وَلَمْ تَرْعَوِي أَنَّ قَهْرِي ثَمَنْ. ─── هُوَ الطَّيْشُ يَرْنُو إِذَا مَا طَغَى، يَفِيضُ لِكَسْرِ المُنَى وَالْمَنَاقِبْ، وَيُلْقِي النَّوَى مِنْ لِقَاحِ المَصَائِبْ، يُعَانِدُ بَأْسِي أَسِيرَ الرُّؤَى، يُنَافِي الحَقِيقَةَ بَعْدَ التِّبَاسِي، يَمُسُّ الخَيَالَ بِبَعْضِ الوَسَاوِسْ، وَيَجْرِي مِنَ الدَّمِّ مَجْرَى الدَّسَائِسْ، وَيُضْفِي عَلَى الجُرْحِ سِحْرًا أَجَنْ! ─── فَمَاذَا جَنَيْتُ بِحَقِّ السَّمَاءِ؟ وَتِلْكَ الدِّيَارُ تَعَفَّتْ بِلَاكِ، وَتَتْرَى بِقُرْبِي أَعَاصِيرُ لَنْ تُرَاعِي نَوَايَا حُرُوفِ اليَقِينِ! لِتُرْوِي عِطَاشِي بِصَدْرِ المِحَنْ. ─── سَآتِي إِلَيْكِ أُسَابِقُ خَطْوِي، وَأَبْقَى أَجِيئُكِ بَوْحَ المَنَايَا، عِثَارَ الشَّظَايَا وَغَدْرَ الخَطَايَا، وَلَثْمَ الفُؤَادِ، وَغَوْرَ الإِحَنْ... ─── أَيَا كُلَّ بَعْضِي! سَأَبْقَى أَجِيئُكْ: جُسُورَ المِدَادِ، حُقُوقَ العِبَادِ، شُرُودَ المَنَامِ، هَجِيرَ المِهَادِ، رُكُودَ الظَّلَامِ، عُبَابَ الوِدَادِ، وَوَأْدَ العُهُودِ، نُكُوبَ السَّفَرْ. ─── وَمَهْمَا سُلِبْتِ... أَيَا جُنْحَ فَقْدِي! فَإِنْ تَحْرِمِي الأَرْضَ جُهْدَ نَفِيرِي، وَإِنْ تُضْرِمِي النَّارَ فَوْقَ قُبُورِي؛ أَتُلْغِي سَحَابِي.. وَنَبْضَ انْحِدَارِي؟ وَإِنْ تَحْسَبِي أَنَّ سَمْتِي سُكُونٌ فَمِنْ عُمْقِ صَمْتِي يَهِيجُ انْفِجَارِي فَيَغْلِبُ صَبْرِي فُلُولَ انْكِسَارِي، وَيُخْمِدُ نَارِي رَمَادُ اضْطِرَارِي وَلَا تَحْسَبِي أَنْ بِهَجْرِي صَغَارٌ فَفَتْحِي عَطَاءٌ وَضَمِّي شَرَرْ! ─── إِذَا مَا ارْعَوَتْ نَاشِزَاتُ الأَمَانِي؛ تَشُوقُ صَحَارِيَّ وَخْزَ المَطَرْ! وَإِنْ يَرْتَمِ النَّجْمُ حِضْنَ النَّهَارِ؛ يَرُومُ ائْتِلَافِي نَهِيجُ القَمَرْ! وَإِنْ تَنْصُرِي فِي ضُلُوعِي هَوَاناً، فَصَدْرِي إِبَاءٌ يَصُدُّ القَدَرْ! وَإِنْ تَهْزِمِي فِيَّ لَوْنَ الخِطَابِ تُلَاقِي حُرُوفِي بِعَدِّ الحَجَرْ! لِأَبْقَى أَجِيئُكِ مَهْمَا أُضَلْ، وَيَهْدِي ضَلَالِي شَرِيدُ الأَثَرْ. ─── لِيُنْهِي المَجِيءُ سُطُورَ الحِدَادِ وَيُفْرِغَ عَزْمِي ظُرُوفَ الوَجَلْ، وَيَطْوِي دِثَارِي عِجَافَ الحُرُوفِ وَيَشْفِي هِيَامِي كِلَامُ المُقَلْ، بِفَجْرِ الفَلَاحِ، وَعِتْقٍ تَجَلَّى، يُعَانِقُ صَحْوِي نَصِيعَ الأَمَلْ؛ لِيَسْقِي انْدِيَاحِي بُذُورَ الخُلُودِ، وَيُحْيِي بَقَائِي مَوَاتَ الأَزَلْ! هَامِش: كُتِبَتْ هَذِهِ القَصِيدَةُ عَلَى تَفْعِيلَاتِ بَحْرِ المُتَقَارِبِ عَلَى تُخُومِ المَنْفَى السُّودَانِيِّ وَذَاكِرَةِ الحَرْبِ وَالتَّشَظِّي؛ حَيْثُ يَتَدَاخَلُ خِطَابُ الحَبِيبِ بِخِطَابِ الوَطَنِ، وَيَغْدُو النِّيلُ رَمْزًا لِلْوَصْلِ المُسْتَحِيلِ وَالحَنِينِ الَّذِي لَا يَنْطَفِئُ.

    الكاتب: حسن عبدالرحمن موسى مصطفى

    0المفضلة

    16 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #تفعيلة شعراسلامي،شعرحديث،أدب شعر poem أدب_المنافي 

التعليقات (0)

المزيد من حسن عبدالرحمن موسى مصطفى

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • جِسْرٌ مِنْ نَارٍ