السُّؤْلُ المُسْتَبَاحُ
Oct 24, 2026 05:38 PM Oct 24, 2026 05:38 PM
── (1) ── أَتَرُدُّنِي يَا بَابُ سُؤْلَ مَدَامِعِي؟ يَا مَنْ تُكَبِّلُ بِالْخَطَايَا عَثْرَتِي! عَبِثًا وَتَهْزِمُ مُنْيَتِي، وَتَجُزُّ رَأْسَ عَزَائِمِي! أُهْدِيكَ جَذْوَةَ حُرْقَتِي، فَتَرُدُّ نَعْرَةَ خَيْبَتِي؟ تَرْمِي بِنَاهَا الْفَجَّ بِالْأَمَلِ الْمُعَنَّى وَالضَّنَى، فَتَشُجُّ أَوْجَ غِمَارِهَا، فَيُحَالُ مَا حَمَلَتْ مِنَ الشَّظَفِ الْمُبَاحِ إِلَى الرَّمَادْ، فَتَهِيمُ جَوْعَ بُطُونِهَا جُوعٌ فَجُوعْ، غَضَبٌ غَضَبْ، سَهْلٌ مَنُوعْ؛ تَغْشَى الْحِمَى نَهَمًا تُعَزِّزُهَا الْكُرُوبْ، تَقْتَاتُ أَلْسِنَةَ الشُّكُوكْ، فَتَسُوقُنِي عَجَلًا وَتُلْقِينِي الْهُوَيْنَى، فِي أَدَابِيرِ الْمَهَالِكِ قِبْلَةَ الْأَعْذَارِ: أَبْتَاعُ الضَّيَاعَ بِوَهْمِ صِدْقِيَ، أَفْتَدِي أَعْمَارَ جُرْحِيَ، أَقْتَفِي أَثَرَ الْمَعَرَّةِ دُونَ ذَنْبْ. ── (2) ── وَيَشُدُّنِي ذَاتُ السُّؤَالِ بِلَا جَوَابْ: أَوَلَمْ تُقِرَّ بِفَجْعَتِي، وَتُدَاعِبُ الْأَلَمَ الْغَفِيرْ؟ وَيَطُولُ لَيْلُ يَقِينِيَ الْمَثْلُومِ يَنْتَظِرُ الْمَجِيءْ، وَلَا مَجِيءَ يَهِلُّ مِنْ رَحِمِ الْمَهَالِكِ غَيْرَ أَشْلَاءِ الْحَيَارَى تَقْتَفِي وَجَعَ الْغُيُومْ، وَتَشْتَهِي قَطْرَ النَّمَا فَيَسُومُهَا غَيْثُ الْهُمُومْ؛ فَأَهِيمُ أَعْقَابَ الرِّيَاحِ أُفَتِّشُ الْأَبْوَابَ بَابًا خَلْفَ بَابْ: بَابٌ يُدَقْ، وَالْبَابُ يُفْتَحُ كَيْ يُرِيقَ بَرَاءَتِي، وَبِكُلِّ بَابٍ أَرْتَمِي حِضْنَ الْيَبَابْ، بَابٌ يَرُدُّ سُؤَالِيَ الْمَفْتُوحَ أَفْوَاجَ الرِّهَابْ، أَوَ يَرْتَجِي أَلَّا أَتُوهْ! وَجَعِي يَئِنْ، بَابٌ يَضِنْ، فَرَجٌ يُمَانِعُ وَصْلَهُ فَصْلُ الْكِتَابْ، فَأَتُوهُ عُمْقَ حَرَارَةِ الْقَلْبِ الْمُسَجَّى فِي أَتُونِ الرَّمْلِ أَوْ عَطَبِ الْفِرَارْ؛ يَهُدُّنِي رَجْعُ الْخُوَارْ، يَدُسُّنِي أَسَفُ التُّرَابْ؛ يَصُدُّنِي ضِيقُ الْبِحَارْ، فَلَا الْفِرَارُ مِنَ الْفِرَارِ يُجِيرُ مِنْ شَهْقِ الْكُلُومْ، وَلَا الْخِيَارُ مِنَ الْخِيَارْ. ── (3) ── فِي كُلِّ بَابٍ يُشْرَعُ، الْكُلُّ يَحْضُرُ بِالسُّؤَالْ، وَالسُّؤْلُ يَصْرُخُ بِالذُّهُولِ مُدَرَّجًا: هَلْ مِنْ مَجَالْ؟ وَالْبَابُ يَدْعُوهُ: "اقْتَرِبْ! أَوَلَمْ أُجِيبُكَ يَا سُؤَالْ؟" الْبَابُ يَفْتَحُ ثُمَّ يَجْمَعُ أَسْئِلَةْ، الْبَابُ يُغْلِقُ دُونَ أَنْ يُعْطِي جَوَابْ. فَالْبَابُ يُهْدِي كُلَّ سُؤْلٍ وَحْشَةَ الْآمَالِ، أَطْوَاقَ النَّجَاةْ: بِأَنْ يُسَابِقَهُ الْفَوَاتْ، أَوْ كَيْ يَمُوتَ فَلَا يَفُوتْ، أَوْ لَا يَمُوتَ لِكَيْ يَفُوتْ. فَالْبَابُ لَا يَرْعَى الْحُفَاةْ، وَالْبَابُ لَا يَهَبُ الْعُفَاةْ، وَغِطَاؤُهُ الْمَسْدُولُ يَكْشِفُ عَوْرَتِي، الْبَابُ يَحْمِيهِ الْعُتَاةْ، وَعَطَاؤُهُ الْمَوْهُومُ يَسْلُبُنِي الدَّوَاةْ. ── (4) ── بِيعَ السُّؤَالُ بِسُوقِكُمْ بَخْسَ الثَّمَنْ، مَنْ يَفْتَدِي رِقَّ الْجَوَابْ؟ أَبْوَابُكُمْ أَسْوَاقُكُمْ: مَسْخُ التَّجَارِبِ، رُخْصَةُ الْأَزْلَامِ، أَكْوَامُ الْخَرَابْ، أَغْرَاضُهَا: بَخْسُ النِّخَاسَةِ، مُفْلِسُو الْأَقْلَامِ، أَحْلَاسُ الْقِبَابْ، وَمُرْجِفُو الْأَوْهَامِ وَالْحَرَمُ الْمُبَاحْ. أَبْوَاقُكُمْ تَرْعَى جُمُوعِي فِي يَبَاسِ الْقَهْرِ، أَنْفَاسُ الْمَطَامِعِ، تَنْبِذُ الْغَوْثَ الْحَسِيرْ، تَسُومُهَا رَهْجَ الشَّرُوبِ وَلَا شَرَابْ، تَسُوقُهَا رَهْنَ الْحِيَادْ، تُذِيقُهَا مَاءَ السَّرَابْ، تَزُفُّهَا عَشَمَ الصُّمُودْ، عَطْشَى تَهِيمُ قَفَا الْأَزِقَّةِ تَشْتَرِي وَهْمَ الْغُيُوثِ وَلَا سَحَابْ. ── (5) ── فَبَحَثْتُ عَنْ سَبَبِ الْعَنَاءِ وَعَنْ شَتَاتِ الصَّبْرِ، آهَاتِ الْقُبُورْ. وَزَحَفْتُ مِلْءَ هَوَاجِسِي، أَمْشِي عَلَى الْآلَامِ جِسْرًا خَلْفَ جِسْرْ، وَطَرَقْتُ أَنْكَالَ الدُّهُورْ، وَرَكِبْتُ أَطْيَارَ التَّمَنِّي عِنْدَمَا عَجَزَ الْمَسِيرْ، لَكِنَّ طَيْرِي لَا يَطِيرْ؛ وَعَقَارِبُ الْأَعْوَامِ تَلْدَغُ رَعْشَتِي، وَتَنَامُ تَمْتَصُّ الضِّيَاءْ، وَالْجَهْلُ حَالَفَ وِجْهَتِي، وَرُؤَايَ تَلْتَحِفُ السَّمَاءْ، وَالْعَجْزُ يُوسِعُ هُوَّتِي، وَالْعِتْقُ أَوْغَلَ فِي الْغُثَاءْ، وَالْبَابُ يَلْتَهِمُ الْجُسُورْ. ── (6) ── جَرَسٌ يَرِنُّ بِكُلِّ بَابْ، غُرَفٌ بِبَابٍ مُقْفِرٍ، وَالْبَابُ يُوصَدُ فِي فَرَاغْ، الْبَابُ يَسْمَعُ صَرْخَتِي، لَا وَجْهَ يَقْبَلُ رُخْصَتِي، لَا بَابَ يُنْقِذُ غَرْقَتِي، الْكُلُّ يَشْهَدُ فِقْرَتِي وَيُصَفِّقُونْ، وَالْبَعْضُ يَدْخُلُ غُرْفَتِي لَا يَخْرُجُونْ، وَالْجَمْعُ صَمْتًا يَصْرُخُونْ. فَأَمُوتُ ثُمَّ أَعُودُ ثُمَّ أَفُوتُ عِبْءَ سُؤَالِيَ الْمَشْرُوحِ فِي طَوْقِ الرَّهَاقْ. هَلْ مِنْ مُجِيبْ؟ وَلَا جَوَابَ يَسُدُّ نَزْفَ فُؤَادِيَ الْمَشْدُوخِ فِي عَرْضِ الزَّمَانْ، يُطِلُّ بَعْدَ الْمَوْتِ عِنْدَ مَوَاتِهِ الْمَفْتُوحِ مِنْ جَوْرِ الرِّمَالِ إِلَى دَهَالِيزِ الْمُحِيطْ، يَحْمِي شَوَارِعَ رِحْلَتِي صَوْبَ النَّخِيجْ، يُفْضِي إِلَى الْوَطَنِ الْحَرِيقِ، يُعِيدُنِي رَكْبُ السَّرَابْ. ── (7) ── أَوَ بَعْدَمَا يَأْتِي الْجَوَابْ، يَأْوِي إِلَى الْجِيرَانِ كَيْ يَغْزُوا جَنَابِي الْمُسْتَبَاحْ، يَمْضِي لِبَيْعِ مَبَادِئِي، وَلِهَدْرِ مُزْنِ كَرَامَتِي، يَزْهُو بِخَبْسٍ وَارْتِزَاقْ، يَسْعَى لِصَوْنِ تَعَاسَتِي، وَلِأَنْ يَصُدَّ تَسَلُّلِي وَالْقَهْرُ قَيْحْ! وَمَحَاكِمُ التَّفْتِيشِ تَرْصُدُ فِكْرَتِي، كَيْ تَسْتَبِيحَ بَكَارَةَ السُّؤْلِ الْكَسِيحْ. بَابٌ يُفَتِّقُ أَبْوِبَةْ، الْبَابُ يَصْحَى كَيْ تَنَامَ الْمَسْأَلَةْ، الْبَابُ يُغْلِقُ ثُمَّ يَنْتَهِكُ السُّؤَالْ، السُّؤْلُ يَحْمِلُ ثُمَّ يَنْسُلُ مُعْضِلَةْ. ── (8) ── أَوَ تَنْظُرُونَ جَنَازَتِي؟ مَا زِلْتُ أَسْعَى لِلْهَلَاكْ، أَمْ تَرْتَجُونَ إِجَابَتِي!؟ وَالْحُلْمُ يَشْنُقُهُ الرُّفَاتْ! أَوَ قَدْ وَلَجْتُ إِلَى الْحِجَابْ؟ وَرَجَعْتُ أَحْضُرُ مَأْتَمِي إِذْ لَا مَآبْ، حَتَّى أُجِيبَ ضَلَالَكُمْ، كَيْفَ الْجَوَابُ إِلَى سُؤَالٍ سُؤْلُهُ فَتْحُ الْغِيَابْ، وَجَوَابُهُ كُنْهُ السُّؤَالْ؟! قَدْ جِئْتُ عِنْدَكَ حَائِرًا، يَا بَابُ، سُرَّ مَهَاجِعِي وَافْتَحْ مَنَافِذَ حَسْرَتِي كَيْمَا أَعُودْ. يَا بَابُ، أَفْلِتْ شِقْوَتِي لَا بَابَ يُعْطِينِي جَوَابْ. وَالْجَمْعُ يَسْأَلُ عَنْ مُجِيبْ، وَالْبَعْضُ يَسْأَلُ عَنْ مَحَالْ؛ وَالْكُلُّ يَمْتَهِنُ الْمُحَالْ، وَالْبَابُ يَمْتَحِنُ الْجَوَابْ، فَلَا مِحَالَ وَلَا مُجِيبَ وَلَا ظِلَالْ، وَفَمُ السُّؤَالِ بِلَا لِسَانٍ، وَالضَّيَاعُ جَوَابُهُ، أَفَلَا جَوَابَ عَنِ السُّؤَالْ؟! إِذْ لَا سُؤَالَ عَنِ الْجَوَابْ. الهامش: - كُتِبَتْ هَذِهِ الْقَصِيدَةُ عَلَى تَفْعِيلَاتِ بَحْرِ الْكَامِلِ، وَهِيَ فِي سِيَاقِ التَّأَمُّلِ فِي مَأْسَاةِ الْإِنْسَانِ خِلَالَ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ وَمَا صَاحَبَهَا مِنْ نُزُوحٍ وَاغْتِرَابٍ وَانْهِيَارٍ إِنْسَانِيٍّ، مَعَ إِبْقَاءِ الدَّلَالَةِ مَفْتُوحَةً عَلَى أَبْعَادِهَا الْوُجُودِيَّةِ. - أَوَلَمْ أُجِيبُكَ: وَرَدَ رَفْعُ الْمُضَارِعِ بَعْدَ «لَمْ» فِي الشِّعْرِ؛ فَقِيلَ: ضَرُورَةٌ، وَعَدَّهُ ابْنُ مَالِكٍ لُغَةً لِقَوْمٍ مِنَ الْعَرَبِ. وَالرَّفْعُ هُنَا مَقْصُودٌ فِي كَلَامِ الْبَابِ الْمَحْكِيِّ: تَنْخَرِمُ صِيغَةُ الْإِجَابَةِ كَمَا تَنْخَرِمُ دَعْوَاهُ. - أَدَابِير: صِيغَةٌ مُوَلَّدَةٌ عَلَى بِنَاءِ «أَفَاعِيل» مُحَاكَاةً لِنَمَطِ جَمْعِ الْجَمْعِ مِنْ «أَدْبَار»، عَلَى نَحْوِ «أَقْوَال» وَ«أَقَاوِيل»؛ اسْتُثْمِرَتْ شِعْرِيًّا لِلتَّكْثِيرِ وَتَعْمِيقِ دَلَالَةِ الْمَهَالِكِ. - النَّخِيج: لَفْظَةٌ عَامِّيَّةٌ سُودَانِيَّةٌ لِلْبُكَاءِ الْحَارِّ الْمَصْحُوبِ بِالشَّهِيقِ، وَلِمَادَّةِ «ن خ ج» أَصْلٌ فَصِيحٌ يَدُورُ عَلَى اضْطِرَابِ الْمَاءِ وَصَوْتِهِ، وَ«النَّخِيجُ» بِلَفْظِهِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: زُبْدٌ رَقِيقٌ مِنْ مَخْضِ السِّقَاءِ؛ وَيُمْكِنُ قِرَاءَةُ الِاسْتِعْمَالِ السُّودَانِيِّ امْتِدَادًا دَلَالِيًّا لِهَذَا الْحَقْلِ.


الكاتب: حسن عبدالرحمن موسى مصطفى
0المفضلة
11 المشاهدات
0 تعليقات