• مقالة - السرد الجديد في عالم القصة و السينما

    لطالما عرضت الأفلام ونشرت القصص والروايات منذ زمن وعلى هذا الحال وكل منهم له مزياه وجماله ونكهته الخاصة، عندما ينجح العمل المقدم سيكون حينها حديث الناس لفترة طويلة ونرجو أن تكون هناك تكملة للقصة لكن يبقى هنا سؤال بسيط ومثير للاهتمام ماذا لو سُلّط الضوء على حكاية أو فيلم جديد يدور في الحقبة الزمنية والمكان ذاته؟ تخيل معنا فيلماً شهيراً تدور أحداثه في مدينة اجتاحها وباء قاتل؛ حيث نرى مجموعة من الأبطال يصارعون المرض بحثاً عن طوق نجاة، وقد ينتهي الفيلم دون إيجاد حل جذري للأزمة لتصدر لاحقاً أجزاء تكميلية تلاحق نفس الصراع حتى ينتصر الأبطال أخيراً قبل انتشار الوباء عالمياً.، الفكرة الأساسية هنا تكمن في تقديم عمل جديد كلياً يحاكي تلك الأجواء بطريقة مختلفة تماماً، بأن نضع شخصية جديدة تماماً وصلت إلى المدينة قبيل الأحداث بقليل، فنراها تعيش وقائع مألوفة من منظور مختلف. المشاهد حينها سيشعر بوجود الأبطال من حوله لكنه هذه المرة مع بطل أخر له أسلوب وطريقة هروبه من هذه الورطة علماً أن الشخصية الجديدة لن تلتقي بالأبطال أبداً، لأن لها مسارها الخاص وطريقتها الفردية في معالجة أزمتها قد تدخل هذه الشخصية مطعماً بعد دقائق من مغادرة البطل الأصلي، أو تمر بجانب مسرح لأبرز أحداث الفيلم الأول دون أن تدرك شيئاً من كواليسه، وقد تصلها أصداء أخبار عابرة ترتبط بالأبطال الرئيسيين بينما تراها هي من زاوية مغايرة تماماً. هنا تكمن متعة المشاهدة؛ إذ يمتلك المشاهد معرفة مسبقة تجعله يستمتع بتتبع الروابط الخفية وتقاطعات الخلفية، حتى وإن لم تلتقِ الشخصيات وجهاً لوجه، فالقصة لا تتحدث بالضرورة عن شخصية ثانوية أُعطيت مساحة مستقلة، بل عن شخصية مبتكرة بالكامل تتنفس في ذات المكان والزمان، مما يفتح أفقاً سردياً مميز يثبت أن خلف الكاميرا حكايات كثيرة لم يُرصد لها القصة الأصلية. (عندما نعرف أكثر من الشخصية) يكمن السحر في هذا النوع من السرد بامتلاك المشاهد لمعلومات تغيب عن الشخصية نفسها. وحين نراقب شخصاً يدخل مبنى ونحن نعلم يقيناً أن البطل كان فيه قبل ساعات، أو نتابع خبراً تلفزيونياً عن كارثة ندرك خفاياها الحقيقية، تنشأ مهارة بصرية وتفاعلية عالية. لا تحتاج القصتان إلى التقاء مباشر للشعور بأنهما تنتميان للكون السينمائي ذاته. وهذا تحديداً ما يفصل هذه الفكرة عن مجرد إعادة إنتاج لنص تقليدي، فنحن لا نعيد سرد الحكاية بل نضيف إليها خطاً درامياً موازياً كان يحدث في ذات اللحظة. (العالم أكبر من الحكاية) ربما تلخص هذه النقطة الجوهر الأساسي لمتعة هذه الأعمال. فعندما نشاهد عملاً درامياً، نميل بفطرتنا للاعتقاد بأن ما تعرضه الشاشة يختزل العالم بأسره، متغافلين عن حقيقة أن الكاميرا قاصرة بطبيعتها ولا تستطيع التواجد في كل مكان. فماذا لو تحرَّكت العدسة قليلاً؟ سنكتشف حتماً قصصاً أخرى قريبة جداً من الحبكة الأصلية وتتقاطع معها صدفة، أو بعيدة عنها تماماً لكنها متزامنة معها وتتأثر بذات الظروف. وحينها، يتحول الفيلم الأول إلى مجرد جزء من عالم أوسع، لا العالم كله. (السرد الإضافي والتطور الزمني) تتحول الحكايات الناجحة عادة من الورق إلى الشاشة الكبيرة، ثم تتطور إلى أجزاء جديدة تتيح لكاتب السيناريو تجديد الحبكات. ومن المداخل الجميلة أيضاً أن نأخذ شخصية عشنا معها طفولتها أو شبابها في قصة قديمة، ثم نلتقي بها بعد مرور سنوات وهي في مرحلة الكهولة أو النضج لنعرف ما آلت إليه ظروفها. ومثل هذه الأفكار لا تتطلب من المؤلف الأصلي الاستمرار، ولا تمس حقوق الملكية الفكرية طالما أصبحت النصوص من تراث الإنسانية و"الملكية العامة" التي تتيح لكل مبدع تقديم رؤيته الخاصة. وخير مثال على ذلك قصة كتبها (الأخوين غريم) الشهيرة (هانسل وغريتل)، الطفلين اللذين تركهما والداهما في الغابة لقلة الموارد الغذائية فضحوا بطفلين ليعشون هم، فحاولوا الأخوين العودة لكنهم ضلوا الطريق، حتى عثرا على بيت الحلوى وواجها الساحرة الشريرة. بعد عقود طويلة، ظهر فيلم سينمائي عام 2013 بعنوان (Hansel & Gretel: Witch Hunters) ليقدم فكرة تحكي قصة الأخوين بعد أن كبِرا وأصبحا صيادين محترفين للساحرات، مستثمرين ماضيهما القاسي لتطهير المدينة بأكملها في النهاية، تؤكد لنا هذه الرؤية أن القصص العظيمة لا تنتهي بانتهاء التترات وإغلاق الستار، بل تترك خلفها عوالم حرة قابلة لاستكشاف، إن الانتقال من السرد الخطي المباشر إلى فكرة (العالم الموازي) أو (التطور الزمني) للشخصيات يمنح صناع السينما والكتّاب حرية هائلة لبعث الروح في الحكايات القديمة، وفتح نوافذ جديدة لم تكن الأقلام تراها من قبل، وحين ندرك أن البطل الحقيقي ليس بالضرورة هو من تقف أمامه العدسات، بل هو العالم بأسره بتفاصيله الخفية تصبح متعة المشاهدة تجربة أعمق وأكثر ثراءً.

    الكاتب: معاذ

    0المفضلة

    13 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من معاذ

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • مقالة - السرد الجديد في عالم القصة و السينما

    المزيد من معاذ

    عرض جميع الأعمال

    مواضيع ذات صلة