ما بقى
Oct 31, 2026 10:57 AM Oct 31, 2026 10:57 AM
ما بقى في ا لسنوات الأولى من وجودي في أمريكا كنت أعمل في أحد المحلات في نيويورك، وكان أمام المحل مباشرة مدخل السبواي، ذلك المدخل الذي لا تتوقف حركة الناس فيه طوال اليوم، يصعدون منه وينزلون إليه، وكل واحد منهم مستعجل إلى وجهته، وبجانب المدخل كانت هناك مساحة صغيرة على الرصيف يأتي إليها كل يوم تقريبا رجل أفريقي اسمه محمد، يصل عند الساعة الثانية عشرة ظهرا ويفرش بضاعته أمام المحل، ثم يبقى هناك حتى التاسعة مساء، وكنت بحكم عملي في المكان أراه كل يوم تقريبا، حتى أصبح وجوده أمام المحل جزءا من تفاصيل يومي التي اعتدت عليها. كانت بضاعة محمد بسيطة جدا، يبيع الملابس الداخلية والشرابات والمحافظ والقبعات وبعض الأشياء الصغيرة التي يحتاجها الناس، وإذا جاء الشتاء أضاف إلى بضاعته البجامات الداخلية وبعض الملابس والأشياء التي تقي من البرد، وإذا جاء الصيف استبدلها بأشياء خفيفة تناسب الحر، وهكذا كانت الفصول تتغير وتتغير معها بضاعته، أما محمد فكان كما هو، يأتي في الموعد نفسه، ويفرش بضاعته في المكان نفسه، ويجلس ينتظر رزقه. لم يكن لديه محل ولا واجهة زجاجية ولا حتى مكان يحميه من تغير الجو، مجرد بسطة صغيرة على الرصيف أمام مدخل السبواي، والناس تمر من أمامه بالآلاف، لكن القليل منهم كان يتوقف ليشتري منه، وكنت أراقب مبيعاته أحيانا وأستغرب كيف يستطيع أن يعيش من هذا العمل، ففي بعض الأيام كنت أعتقد أن مبيعاته طوال تلك الساعات لا تتجاوز خمسين دولارا، ومع ذلك لم أسمعه يوما يشتكي من قلة البيع، ولم أره غاضبا لأن أحدا لم يشتر منه، ولم أسمعه يقارن رزقه برزق الآخرين، كان يأتي كل يوم ويبيع ما قسمه الله له، ثم يجمع أغراضه في نهاية اليوم ويعود إلى غرفته، وفي اليوم التالي يرجع من جديد. كان الوقت الذي يصل فيه محمد قريبا من نهاية دوامي، ولذلك كنت أساعده في إخراج أغراضه التي كان يخزنها خلف المحل، نحملها معا إلى الرصيف ثم يبدأ في ترتيب بضاعته، وبعد أن ننتهي ندخل إلى المحل ونصلي الظهر، ثم نجلس قليلا نتحدث قبل أن أذهب، ومع الأيام أصبحت تلك الدقائق عادة بيننا، نتحدث عن العمل والغربة والحياة والرزق، وكان محمد رغم بساطة حياته يقول أحيانا كلاما يجعلني أفكر فيه بعد أن أتركه. وفي أحد الأيام كنت أجلس معه وأنظر إلى بضاعته، وكنت أعرف أن دخله منها ليس كبيرا، فقلت له: يا محمد، لماذا لا تترك هذه البسطة وتعمل في بقالة أو في أي محل؟ على الأقل سيكون لديك راتب ثابت وتحصل على مال أكثر من الذي تحصل عليه هنا. نظر إلي وقال: أغلب المحلات هنا تبيع البيرة والمشروبات الكحولية، وبعضها يبيع أشياء أخرى حرام، وأنا لا أريد أن يكون رزقي من هذه الأشياء، والحصول على محل حلال تشتغل فيه ليس سهلا، وأنت عادك جديد في هذه البلاد، ومع الأيام ستعرف. كان معه حق، لأنني في تلك الفترة كنت أعمل في محلات تبيع البيرة، وهذا شيء لا أنكره، فقد كانت تلك بداياتي في أمريكا، وكنت أبحث عن العمل والمال مثل كثير من الناس الذين يصلون إلى هذه البلاد، لكنني في داخلي لم أكن مرتاحا لذلك، وبدأ كلام محمد يجعلني أفكر جديا في الأمر. قلت له: لكن يا محمد، الراتب في هذه المحلات كويس، ممكن تحصل على ألفين وأربعمائة دولار في الشهر، وهذا مبلغ كبي ر، وأنت تجلس هنا من الساعة الثانية عشرة ظهرا حتى التاسعة مساء، فكم تحصل من هذه البسطة في الشهر؟ ابتسم وقال: قليل، يمكن أحصل من ستمائة إلى ألف دولار في الشهر. استغربت وقلت: فقط؟ قال: الحمد لله. قلت: وكيف تعيش بهذا المبلغ في نيويورك؟ قال: أدفع مئتي دولار إيجار الغرفة التي أسكن فيها، وآكل وأشرب، وأرسل حوالي ثلاثمائة دولار لزوجتي وأولادي، وإذا بقي شيء أوفره. ضحكت وقلت له: وماذا بقى لك يا محمد حتى توفره؟ ابتسم، وبكل هدوء قال: إذا ما بقى شيء، بقى وجه الله، وهذا يكفيني. أنا مقتنع أن رزقي حلال وأنا راض به، وربنا يبارك في الرزق الحلال. سكت للحظات وأنا أنظر إليه، ثم نظرت إلى بسطته الصغيرة أمامي، ولم أكن أعرف في تلك اللحظة لماذا علقت تلك الجملة في رأسي بهذه الطريقة، وربما لم أفهم معناها كاملا يومها، لكنها جاءت من رجل لا يملك الكثير، ويقطع كل يوم قرابة ساعة ونصف في المواصلات حتى يصل إلى هذه البسطة، ثم يجلس تسع ساعات ليبيع خمسين دولارا أو أكثر أو أقل، ويعود في اليوم التالي بالرضا نفسه وكأنه لا ينقصه شيء. قلت له: والله يا محمد، أنا أيضا أفكر أن أترك العمل في هذه المحلات، أريد أن أجد محلا حلالا أشتغل فيه، ولا أريد أن أبقى أبيع البيرة أو أتعامل مع الأشياء التي لا أريد أن يكون رزقي منها. قال لي: إذا صدقت نيتك ستجد، لكن لا تضعف. يمكن تتعب في البداية، ويمكن تبحث وما تحصل بسرعة، لكن اصبر، الرزق الحلال قد يتعبك في البداية، وإذا كانت نيتك صادقة فالله سيفتحها عليك. انتهى حديثنا في ذلك اليوم وذهبت، لكن كلامه لم يذهب معي وينتهي، بل بقي في رأسي، واستمرت الأيام بعدها بالطريقة نفسها، يصل محمد إلى بسطته، أساعده في إخراج أغراضه، نفرشها أمام مدخل السبواي، ندخل ونصلي الظهر، ثم نجلس قليلا نتحدث، وبعدها أذهب أنا ويبدأ هو يومه الطويل أمام المارة. وبعد فترة سافرت إلى اليمن لقضاء إجازة، وهناك حسمت قراري بشكل نهائي، وقلت لنفسي إنني عندما أعود إلى أمريكا لن أرجع إلى العمل في محل يبيع البيرة أو لحم الخنزير، فقد عملت قرابة أربع سنوات في تلك المحلات ولم أشعر أنني حققت شيئا، وربما كان ذلك أحد الأسباب، وأردت أن أبدأ من جديد حتى لو كان الراتب أقل، وحتى لو احتجت إلى وقت حتى أجد العمل المناسب. تواصلت مع أحد أصدقائي الذي كان يعمل في البرونكس وقلت له: عندما أرجع أريد منك أن تبحث لي عن عمل، لكن أريد محلا حلالا، لا أريد أن أعمل في محل يبيع البيرة أو لحم الخنزير، لقد قررت ألا أرجع إلى هذا العمل مرة أخرى. قال لي: تعال عندي، نحن عندنا شقة نسكن فيها، اسكن معنا ونبحث لك عن عمل، وإن شاء الله نجد لك ما تريده. رحبت بالفكرة، وبعد انتهاء إجازتي عدت إلى أمريكا وذهبت إلى البرونكس، واستقبلني صديقي استقبالا رائعا وسكنت معه، وهناك تعرفت على اثنين من أصدقائه، وكانا أيضا من الشباب المحترمين، ومن أول يوم بدأ الثلاثة يتصلون بمن يعرفون ويسألون عن عمل لي، وكل واحد منهم يحاول من جهته أن يجد محلا يناسب الشرط الذي وضعته. لكنني اكتشفت بسرعة أن الأمر أصعب مما كنت أعتقد، فالأعمال لم تكن متوفرة بكثرة في ذلك الوقت، والمحلات التي لا تبيع الأشياء التي قررت الابتعاد عنها كانت أقل، وبدأت الأيام تمر وأنا جالس في الشقة بلا عمل، وكل صباح أستيقظ وأنا أتوقع أن يتصل أحد ويقول: وجدنا لك مكانا، ثم يأتي المساء ولا يحدث شيء. مر الأسبوع الأول، ثم الثاني، ثم الثالث، واقترب الشهر وأنا بلا عمل ولا راتب، وهنا بدأت نفسي تضعف، وكنت أقول لنفسي أحيانا: ما المشكلة لو رجعت واشتغلت في أي محل بشكل مؤقت؟ اعمل حتى تحصل على المكان الذي تريده ثم اتركه، فأنت في نيويورك والمصاريف لا تنتظر أحدا، وكل يوم يمر من دون عمل يعني أن المال الذي معك ينقص، وأنت لا تعرف متى ستجد العمل. وكان هذا الكلام يبدو منطقيا جدا بالنسبة لي، لكن كلما اقتربت من التراجع عن قراري كنت أتذكر محمد، أتذكره وهو يركب المواصلات قرابة ساعة ونصف حتى يصل، ثم يفرش بضاعته على الرصيف ويجلس من الثانية عشرة ظهرا حتى التاسعة مساء، وربما يعود في نهاية اليوم ولم تتجاوز مبيعاته خمسين دولارا، ومع ذلك لم أره يوما يضعف أو يقول سأذهب إلى مكان آخر فقط لأن المال هناك أكثر. وكنت أتذكر كلماته: لا تضعف… يمكن تتعب في البداية، لكن اصبر. فأقول لنفسي: إذا كان محمد يستطيع أن يصبر على كل هذا من أجل قناعته، فلماذا لا أستطيع أنا أن أصبر شهرا؟ وبالفعل صبرت. وفي أحد الأيام، وبعد ما يقارب الشهر من البحث، كنت جالسا في الشقة عندما رن هاتفي، وكان صديقي يتصل بي من عمله، رددت عليه، فقال لي مباشرة: وجدت لك عملا. يتبع…


الكاتب: رائد الصايدي
0المفضلة
11 المشاهدات
0 تعليقات