• المدينة التي أكلت مواعيدها

    منذ أن طال الحصار، صارت السّاعة على الجدار تخجل من عقاربها. لم يعد أحد يسأل: متى يأتي المساء؟ كان السؤال: هل سيأتي الماء؟ في الصباح، تضع أمي الكوب الفارغ قرب النافذة، كأنها تترك للسماء دليلاً على عطشنا. نحن لا نشرب كثيراً. نحن فقط نؤجل العطش. حتى الخبز صار يمشي على أطراف أصابعه. نخبئه في الخزانة، ونغلق الباب برفق، كي لا يسمع الجيران صوت الرغيف وهو ينام. في الخارج، تمرّ شاحنة ولا تتوقف. تحدّق فيها العيون كما لو كانت تحمل ما تبقّى من الغد. ثم تختفي. فتعود المدينة إلى عدّ نوافذها. نافذةٌ أغلقت. نافذةٌ انطفأت. نافذةٌ لم يعد وراءها أحد. أما نافذتنا، فلا نفتحها. ليس لأن الهواء ممنوع، بل لأن الضوء صار يلفت الانتباه. في الليل، تنام أختي بثوبها الكامل، وتضع حذاءها تحت السرير. تقول: قد نضطر إلى الخروج سريعاً. لا أحد يخبرها أننا منذ أشهر لا نخرج إلى مكان. في الزاوية، راديو صغير يكرر نشرة الأخبار. نسمع أسماء مدنٍ لا نعرف أين تقع، لكننا نعرف أنها تشبه مدينتنا حين تُذكر في النشرة. ثم ينقطع الصوت. يصمت الراديو كأنه هو الآخر لم يجد خبراً يستحق أن يعيش. ذات مساء، سألني ابني: أبي، هل الحصار له باب؟ نظرتُ إلى يده الصغيرة، وكان يحمل مفتاحاً لا يفتح شيئاً. قلت: نعم. ثم سكتُّ. لأنني لم أعرف أي بابٍ أقصد. وفي آخر الليل، حين نام الجميع، جلستُ وحدي أحصي ما بقي لنا: ثلاثة أرغفة، نصف زجاجة ماء، بطانية، مفتاح، وصوت أمّي وهي تناديني من الغرفة الأخرى. وضعتُ كل ذلك في قلبي. ثم أطفأتُ المصباح. ولأول مرة، فهمتُ لماذا تخاف المدن المحاصرة من العتمة: لأنها إذا أظلمت تماماً، لن يعرف أحد أنها ما زالت تقاوم. ------- خلدون الدالي أكتوبر2026

    الكاتب: خلدون الدالي

    0المفضلة

    15 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    المدينة_التي_أكلت_مواعيدها #خلدون_الدالي 

التعليقات (0)

المزيد من خلدون الدالي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • المدينة التي أكلت مواعيدها