• جُغْرَافِيَا الأَشْيَاءِ

    لم تعد الأشياءُ في أماكنها، ليس لأنّ أحداً نقلها، بل لأنّ المكان نفسه فقد قدرته على التعرّف إليها. المقعد الذي اعتاد أبي الجلوس عليه صار يتّسع لشخصين، مع أنّ أحداً لم يجلس إلى جواره. والشارع الذي كنتُ أعبره مغمض العينين صار يحتاج إلى دليلٍ، والدليل يحتاج إلى مترجم، والمترجم لا يعرف لغتنا. في الدكّان القديم، يبيع الرجلُ مساميرَ لا تصلح للتثبيت، وساعاتٍ لا تشير إلى موعد، وأقفالاً لم تعد تتذكّر مفاتيحها. سألته عن الطريق إلى الحيّ، فأشار إلى جهةٍ وقال: كان هنا. لم يقل: كان هنا بيتك، ولا قال: كان هنا أبي، ترك الجملة ناقصةً كي لا يضطرّ إلى دفن بقيّتها. في المساء، أخرجتُ من جيبي حصاةً صغيرة التقطتُها ذات سفرٍ بعيد. لم تكن ثمينة، لكنّها الشيء الوحيد الذي لم يطلب منّي إثباتاً كي يعترف بأنني مررتُ من هنا. وضعتُها على الطاولة، فمالت الطاولة قليلاً نحو البلاد التي لم أعد أعرفها. ______ سبتمبر2026

    الكاتب: خلدون الدالي

    0المفضلة

    15 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ

    #جُغْرَافِيَا_الأشياء #خلدون_الدالي 

التعليقات (0)

المزيد من خلدون الدالي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • جُغْرَافِيَا الأَشْيَاءِ