سارة_فصل جديد من رواية أصداء
Nov 2, 2026 07:23 AM Nov 2, 2026 07:23 AM
أنا سارة، بلغت اليوم سنتين من العمر بتقويم تيتان، هذا يعني أنني تقدمت فعلا بالسن، أو ربما هذا ما أتوهمه لكون معظم صديقاتي من أصول مريخية وتيتانية، حيث أن معدل أعمار الأرضيين أعلى بكثير.. صحتي جيدة بما أنني ولدت وعشت حياتي كلها على نفس الكوكب، أمنا الأرض، والتي ستظل كما أؤمن وأعتقد هي الأكثر حنانا ومودة لجنسنا من أي كوكب آخر.. لم يعد لي صديقات، روزا الشقراء أصبحت ارتباطاتها العائلية لا تترك لها وقتا لصديقات شبابها بعد زواج أولادها، أما لورا فقد هاجرت إلى المريخ! تصوروا!؟ لورا التيتانية الانطوائية تهاجر إلى كوكب جديد خلال حياتها! إن تغيير الكوكب لمرة واحدة يضع عبئا ثقيلا على جسم الإنسان فما بالك بأن تفعلها مرتين! ولذلك لم استغرب حين سمعت خبر وفاتها بعد سنوات أرضية قليلة من استقرارها في المريخ، لكن الأعجب هو أن شخصيتها تغيرت هناك، أصبحت اجتماعية أكثر، منفتحة على الحياة، يبدو لي أن صحتها النفسية تحسنت رغم انهيار جسمها وإصابته بالأمراض، أعتقد أن معرفتها بالكواكب الثلاثة جعلتها تشعر بأنها شخصية مهمة ومميزة، وقد أصبحت تكتِب عن ذلك كثيراً، وحتى بعد وفاتها ظلت صفحات مذكِّراتها ومُقارناتها النّقدية للحياة على الكواكب المأهولة في المجموعة الشمسية مرجعا معتمدا ووثائقَ ثمينة تدرس في الجامعات، مع أن أغلب الحكومات قد سنت الان قوانينَ تحِدّ من تِكرار التجربة، لأن كثيرين قرروا فعل الشيء نفسه طمعا في الشهرة! حتى الهجرة لمرة واحدة لم يعد يسمح بها الا لو كان عمرك أقل من سنة تيتانية واحدة ولم تكن مصابا بأي أمراض. أما راحيل فأنا أشك بأنها كانت تدرك منذ البداية نظرتي للشلة على أنهن حيوانات تجارب، فرغم مرور أكثر من عقدين بتقويم الأرض فأنا اتذكر كيف كانت في كل اجتماع لنا تقريبا تعاملني وكأنني قطعة أثاث تتكلم، كان ذلك يغيظني، كأنها تقول لي بشكل مبهم "لا بأس، يمكنك دراستنا إن رغبتِ في ذلك، ولكن لا تتوقعي أن نعاملك كفرد حقيقي منا!" الأغرب أنها تزوجت من كارل الذي لحقها إلى كوكب الأرض! وهي تدعي أن الأرض غيرته، لكنني أعتقد أنه كان يعجبها منذ البداية، لكنها لم تكن تريد أن تعترف لنفسها بذلك، حسنا.. ربما لنا فقط وليس لنفسها. والأغرب أنها بعد أكثر من عقد من زواجها لم تنجب. كنت أراها الأكثر أمومة بين جميع من عرفت من النساء، أكثر من روزا حتى .. وقد سألتها عن ذلك حين قابتها صدفة، وقد أثار ضيقي شعوري بأنها تتفضل عليّ بالحديث معي، كأنها تتطوع لتغذية مشروعي في دراسة العائدين من الكواكب! لم تُظهر هذا أبدا بهذا الوضوح خلال صبانا، ما جعلني أكتشف فجأة أنها المرة الأولى التي اتكلم معها فيها دون وجود واحدة أو أكثر من صديقات الصبا.. قالت لي:"ربما لا أريد أن أكون مجرد عربة للجين الأناني!" . لم أشعر بالراحة للحديث معها فاعتذرت بحاجتي للانصراف للحاق بموعد وهمي، اومأت لي برأسها وهي تبتسم ابتسامة متفهمة! حسنا.. لقد تكلمنا مطولا بما يكفي لتدركي أنني أصفها بالمتفهمة من باب تخفيف وطأتها على نفسي، رغم مغادرتها السريعة إلى حد أن خِلت أنني توهمت رؤيتها، لكن تلك الابتسامة الأخيرة أشعرتني بالانكشاف! وكأنني أصبحت عارية فجأة! حتى أنني شعرت بالبرد! لقد كانت أسوأ حتى من مازن، جاري غريب الأطوار الذي ادعى يوما أنه نموذج ذكاء صناعي متنكر كبشر، تذكرته فجأة بضيق، رغم أنه قد مر وقت طويل منذ أن فكرت فيه، لقد اختفى هو وعائلته الصغيرة منذ أكثر من عقد، وكنت حين أسأل عنه لا يتذكره أحد إلا بشكل ضبابي وغالبا يخلطون بينه وبين أشخاص آخرين. كما يتعذر تتبع أي أثر رقمي له بما أنني لا أعرف سوى اسمه الأول. وربما بسبب الضيق الذي سببته لي راحيل، تمنيت لو أنه كان بالفعل روبوتا متطورا وأنه تم تفكيكه. ****


الكاتب: هناء العوامي
0المفضلة
15 المشاهدات
0 تعليقات