لماذا الطائف
Nov 4, 2026 06:34 AM Nov 4, 2026 06:34 AM
لماذا الطائف؟ الأربعاء، ٤ نوفمبر ٢٠٢٦ اعتدت ان استهل بدايات صباحات نوفمبر والاشهر الثلاثة التي تليه بالكتابة. ذاكرتيلماذا؟ لا أعلم. ولهذا السبب، أو لأسباب أخرى، كان هذا الصباح يستقبلني بمانشيت عريض ف ي أو محيطي الواقعي والافتراضي: «لماذا الطائف؟». الطائف ليست مدينة حالمة كما يتوقعها من يحبها ، وليست مدينة واقعية كما يتوقعها الآخرون ولن أقول إنهم نقيض محبيها. من هنا تكمن الأزمة، إن شئت أن تراها أزمة، أو الاختلاف، إن كنت سوف تستوعبني مثلما انا استوعبت هذه المدينة المختلفة. لقد سافرت إلى كل مدن المملكة العربية السعودي ة الحبيبة، ولن أقول تقريبًا؛ لأنني فعلًا ذهبت ، وعشت في بعضها فترات لا بأس بها، وجربت كل أطياف المجتمع في المدن، من الشارع مرورًا بالحياة اليومية للفرد وصولًا إلى المجلس. كان في جميع المدن والقرى ما يدهشني ويعجبني، وأنا أتحدث هنا عن روح المكان، لا عن المجتمع؛ لأن المجتمع أمر مفروغ منه ففي كل بقاع أرض هذا الوطن الطاهر لم يختلف شيء من ناحية الكرامة والشهامة والعادات والتقاليد النبيلة، إلا باختلاف طريقة إظهار النبل من مكان إلى آخر، وهذه خاصية «سلوم» فقط. وأظن، بالنسبة لي على الأقل، أنني سافرت إلى عدد جيد من المدن حول العالم؛ مدن رائعة، لأن بطبيعة الحال لديّ تصور رائع عنها قبل السفر، ولأنني سائح في النهاية. ولكن كان يراودني شعور في بعض اللحظات، عندما يصادفني شخص لديه ملامح توحي بأنه أحد سكان هذه المدينة: هل يشعر بما أشعر به تجاه مدينته؟ في كل مرة أجد الجواب عن طريق مدينتي الطائف. ومن هنا نعود إلى اختلاف هذه المدينة، التي تعتبر عندي مذهلة من جميع النواحي؛ فاتنة صباحًا، ولذيذة ليلًا. المدينة التي تعام ل أبناءها معاملة الأمهات؛ وتجاذبهم بالحنين مدينة لديها طقس يكبر في الذاكرة ويجعل الفؤاد صبي ، في الربيع يجعل كل ما حولك شاهقًا وأخضر، حتى القلوب. وفي الصيف يقاوم الحرارة بهواء لطيف، ولكنه قوي إلى درجة أنه يفتح أبوابه للضيوف والسياح والزيارات. وفي الخريف يعاملك معاملة أنك جبل ضمن هذه الجبال، ولا يسقط منك إلا أعباء أيام لم تكن جيدة لك، وكأنه يهيئك إلى شتاء قادم، وبرد يعيدك إلى مطر مختلف عن مطرها المستمر في كل الفصول. ولك أن تتخيل أن هذه المدينة نفسها لم تكن حالمة ،بل توجد بها اشياء كثيرة تعتريني من ناحيتها ومن ملل أضع اللوم والسبب من قلة الأكسجين، ومن مواقف جعلتني كشاب أنتظر مستاء والعالم يركض، ومن انعدام الفرص الوظيفية، ومن اختلاق فكرة ولكن تجد تنفيذها في مكان اخر ، او بحث عن فرصة اخرى هناك ، هناك الذي لا اعلم اين يقع هذه المدينة مصابة بالجمال العصيّ عن الفهم، ونحن مصابون بها، ولكن لديها الكثير من المواساة لدينا دائمًا، مثل حبيبة. في طرقاتها ستلاحظ الإعجاب في التضاريس، ولكن عليك أن تحسّ. في الأزقة ستلاحظ الإعجاب في التفاصيل، وفي السماء سوف تدهشك الغيوم، وفي التاريخ ستجد إرثًا مهيبًا. ولكن، على ما أعتقد، إنها مدينة تفاعلية تنمّي فيك ما تحس به أنت. قد تلاحظ المشهد نفسه مرتين، ولكن بشعورين مختلفين، ولعل هذا سبب التباين. ونحن هنا نحبها لأننا نحتفظ بالجميل كل مرة، وفي كل مرة، أعني جمال تنوّع المطر في كل فصل، وفي كل وقت لهذه المدينة. لذلك، أنا لا أرى الطائف مدينة حالمة ولا واقعية. الطائف مدينة شاعرية. نعم، مدينة شاعرية، وأنا هنا لا أقصد الوصف المجازي والخيال، كما هو معروف لدى مفردة «شاعرية» من جمال آخاذ. هي شاعرية بالمجمل، لها هالة الشعر، ولديها مزاج الشعراء. شاعرية بكل المقاييس، وعليك أن تأخذها على محمل كل أغراض الشعر؛ تجد بها القصائد الوجدانية والرثائية والوطنية والاجتماعية. هي بعيدة كل البعد عن أن تُحصر في قصيدة، ولن يستوعبها من يقف أمام البيت الأول من القصيدة. هي سيدة ما وراء النص، ومدينة الأدب، وملهمة الشعراء على مر العصور، دون تفاوت طبقي أو اجتماعي. الطائف مثل أن تحب شاعرًا أو أديبًا، وتنغمس في كل نصوصه وشخصه، وتتقبل عيوبه الشخصية التي لا يخلو منها أي شخص. سعد الحَرَش الحارثي


الكاتب: سعد الحرش الحارثي
0المفضلة
12 المشاهدات
0 تعليقات