• الاستبداد والتخلُّص منه

    ليس لنا مدرسة أعظم من التاريخ الطبيعي، ولا برهان أقوى من الاستقراء، من تتبَّعهما يرى أنَّ الإنسان عاش دهراً طويلاً في حالة طبيعية تسمَّى "دور الافتراس"، فكان يتجوَّل حول المياه أسراباً تجمعه حاجة الحضانة صغيراً، وقصد الاستئناس كبيراً، ويعتمد في رزقه على اثم ترقَّى الكثير من الإنسان إلى الحالة البدوية التي تسمّى "دور الاقتناء": فكان عشائر وقبائل، يعتمد في رزقه على ادِّخار الفرائس إلى حين الحاجة، فصارت تجمعه حاجة التحفُّظ على المال العام والأنعام، وحماية المستودعات والمراعي والمياه من المزاحمين، ثمَّ انتقل ثمَّ ترقّى قسم من الإنسان إلى التصرُّف إمّا في المادة وهم الصُّناع، وإمَّا في النظريات وهم أهل المعارف والعلوم. وهؤلاء المتصرِّفون هم سكان المدن الذين هم إنْ سجنوا أجسامهم بين الجدران، لكنهم أطلقوا عقولهم في الأكوان، وهم قد توسَّعوا في الرِّزق كما توسَّعووتقرير شكل الحكومة هو أعظم وأقدم مشكلة في البشر، وهو المعترك الأكبر لأفكار الباحثين، والميدان الذي قلَّ في البشر من لا يجول فيه على فيل من الفكر، أو على جملٍ من الجهل، أو على فرسٍ من الفراسة، أو على حمارٍ من الحُمْق، حتى جاء الزمن الأخير فجال فيه إنسان الوهذه القواعد التي قد صارت قضايا بديهية في الغرب، لم تزل مجهولة أو غريبة، أو منفوراً منها في الشرق؛ لأنَّها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم، وعند البعض لم تنل التفاتهم وتدقيقهم، وعند آخرين لم تحز قبولاً؛ لأنَّهم ذوو غرض، أو مسروقة قلوبهم، أو في قلوبهم مرض.وإنّي أطرح لتدقيق المطالعين رؤوس مسائل بعض المباحث التي تتعلَّق بها الحياة السياسية. وقبل ذلك أذكِّرهم بأنَّه قد سبق في تعريف الاستبداد بأنَّه: "هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمَّة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم". كما أستلفت نظرهم إلى أثمَّ فلنرجع للمباحث التي أريد طرحها لتدقيق المطالعين، وهي: 1- مبحث ما هي الأمَّة؛ أي الشَّعب: هل هي ركامُ مخلوقاتٍ نامية، أو جمعية، عبيدٌ لمالكٍ متغلِّب، وظيفتهم الطاعة والانقياد ولو كُرهاً؟ أم هي جمعٌ بينهم روابط دين أو جنس أو لغة، ووطن، وحقوق مشتركة، وجامعة سياسية اختيارية، لكلِّ فردٍ حقُّ إشهار رأيه فيها توفيقاً للقاعدة الإسلامية التي هي أسمى و2- مبحث ما هي الحكومة: هل هي سلطة امتلاك فرد لجمع، يتصرَّف في رقابهم، ويتمتَّع بأعمالهم ويفعل بإرادته ما يشاء؟ أم هي وكالة تُقام بإرادة الأمَّة لأجل إدارة شؤونها المشتركة العمومية؟. 3- مبحث ما هي الحقوق العمومية: هل هي آحاد الملوك، ولكنها تُضاف للأمم مجازاً؟ أم بالعكس، هي حقوق جموع الأمم، وتُضاف للملوك مجازاً، ولهم عليها ولاية الأمانة والنّظارة على مثل الأراضي والمعادن، والأنهر والسواحل، والقلاع والمعابد، والأساطيل والمعدات، وولاية الحدود، والحراسة على مثل الأمن ا4- مبحث التساوي في الحقوق: هل للحكومة التصّرف في الحقوق العامة المادية والأدبية كما تشاء بذلاً وحرماناً؟ أم تكون الحقوق محفوظة للجميع على التساوي والشيوع، وتكون المغانم والمغارم العمومية موزَّعة على الفصائل والبلدان والصنوف والأديان بنسبةٍ عادلة، ويكون الأفراد متساوين في حقِّ الاست5- مبحث الحقوق الشخصية: هل الحكومة تملك السيطرة على الأعمال والأفكار؟ أم أفراد الأمة أحرار في الفكر مطلقاً، وفي الفعل ما لم يخالف القانون الاجتماعي؛ لأنَّهم أدرى بمنافعهم الشخصية، والحكومة لا تتداخل إلا في الشؤون العمومية؟ 6- مبحث نوعية الحكومة: هل الأصلح هي الملكية المطلقة من كلِّ زمام؟ أم الملكية المقيَّدة؟ وما هي القيود؟ أم الرئاسة الانتخابية الدائمة مع الحياة، أو المؤقَّتة إلى أجل؟ وهل تُنال الحاكمية بالوراثة، أو العهد، أو الغلبة؟ وهل يكون ذلك كما تشاء الصُّدفة، أم مع وجود شرائط الكفاءة، وما 7- مبحث ما هي وظائف الحكومة: هل هي إدارة شؤون الأمة حسب الرأي والاجتهاد؟ أم تكون مقيَّدة بقانون موافق لرغائب الأمة وإنْ خالف الأصلح؟ وإذا اختلفت الحكومة مع الأمَّة في اعتبار الصالح والمضرّ، فهل على الحكومة أن تعتزل الوظيفة؟ 8- مبحث حقوق الحاكمية: هل للحكومة أن تخصِّص بنفسها لنفسها ما تشاء من مراتب العظمة، ورواتب المال، وتحابي من تريد بما تشاء من حقوق الأمة وأموالها؟ أم يكون التَّصرف في ذلك كلِّه إعطاءً وتحديداً ومنعاً منوطاً بالأمة؟ 9- مبحث طاعة الأمة للحكومة: هل الإرادة للأمَّة، وعلى الحكومة العمل؟ أم للإرادة للحكومة وعلى الأمَّة الطاعة؟ وهل للحكومة تكليف الأمَّة طاعةً عمياء بلا فهم ولا اقتناع؟ أم عليها الاعتناء بوسائل التفهيم والإذعان لتتأتَّى الطاعة بإخلاص وأمانة؟ 10- مبحث توزيع التكليفات: هل يكون وضع الضرائب مفوَّضاً لرأي الحكومة؟ أم الأمَّة تقرِّر النفقات اللازمة وتعيِّن موارد المال، وتُرتِّب طرائق جبايته وحفظه؟. 11- مبحث إعداد المَنَعة: هل يكون إعداد القوة بالتجنيد والتسليح استعداداً للدفاع مفوضاً لإرادة الحكومة إهمالاً، أو إقلالاً، أو إكثاراً، أو استعمالاً على قهر الأمَّة؟ أم يلزم أن يكون ذلك برأي الأمَّة وتحت أمرها؛ بحيث تكون القوة منفِّذة رغبة الأمة لا رغبة الحكومة؟ 12- مبحث المراقبة على الحكومة: هل تكون الحكومة لا تُسأل عما تفعل؟ أم يكون للأمة حقُّ السيطرة عليها؛ لأنَّ الشأن شأنها، فلها أن تُنبت عنها وكلاء لهم حقُّ الاطِّلاع على كلِّ شيء، وتوجيه المسؤولية على أيٍّ كان، ويكون أهم وظائف النواب حفظ الحقوق الأساسية المقررة للأمة على الحكومة؟ 13- مبحث حفظ الأمن العام: هل يكون الشخص مكلَّفاً بحراسة نفسه ومتعلَّقاته؟ أم تكون الحكومة مكلَّفة بحراسته مقيماً ومسافراً حتى من بعض طوارئ الطبيعة بالحيلولة لا بالمجازاة والتعويض؟ 14- مبحث حفظ السُّلطة في القانون: هل يكون للحكومة إيقاع عمل إكراهي على الأفراد برأيها؛ أي بدون الوسائط القانونية؟ أم تكون السُّلطة منحصرة في القانون، إلا في ظروف مخصوصة ومؤقَّتة؟ 15- مبحث تأمين العدالة القضائية: هل يكون العدل ما تراه الحكومة؟ أم ما يراه القضاة المصون وجدانهم من كلِّ مؤثِّر غير الشرع والحق، ومن كلِّ ضغطٍ حتى ضغط الرأي العام؟ 16- مبحث حفظ الدين والآداب: هل يكون للحكومة ?ولو القضائية- سلطة وسيطرة على العقائد والضمائر؟ أم تقتصر وظيفتها في حفظ الجامعات الكبرى كالدين، والجنسية، واللغة، والعادات، والآداب العمومية على استعمال الحكمة ما أغنت الزواجر، ولا تتداخل الحكومة في أمر الدين ما لم تُنتَهَك حرمته؟ وهل الس17- مبحث تعيين الأعمال بالقوانين: هل يكون في الحكومة ?من الحاكم إلى البوليس- من يُطلَق له عنان التَّصرف برأيه وخبرته؟ أم يلزم تعيين الوظائف، كليّاتها وجزئياتها، بقوانين صريحة واضحة، لا تسوغ مخالفتها ولو لمصلحة مهمة، إلا في حالات الخطر الكبير؟ 18- مبحث كيف توضع القوانين: هل يكون وضعها منوطاً برأي الحاكم الأكبر، أو رأي جماعة ينتخبهم لذلك؟ أم يضع القوانين جمعٌ منتخبٌ من قبل الكافّة ليكونوا عارفين حتماً بحاجات قومهم وما يُلائم طبائعهم ومواقعهم وصوالحهم، ويكون حكمه عاماً أو مختلفاً على حسب تخالف العناصر والطبائع وتغير الموجبا19- مبحث ما هو القانون وقوَّته: هل القانون هو أحكام يحتجُّ بها القوي على الضعيف؟ أم هو أحكام منتزعة من روابط الناس بعضهم ببعض، وملاحظٌ فيها طبائع أكثرية الأفراد، ومن نصوص خالية من الإبهام والتعقيد وحكمها شامل كلّ الطبقات، ولها سلطان نافذ قاهر مصون من مؤثِّرات الأغراض، والشفاعة، والشفقة،20- مبحث توزيع الأعمال والوظائف: هل يكون الحظُّ في ذلك مخصوصاً بأقارب الحاكم وعشيرته ومقرَّبيه؟ أم توزَّع كتوزيع الحقوق العامَّة على كافَّة القبائل والفصائل، ولو مناوبة مع ملاحظات الأهمية والعدد؛ بحيث يكون رجال الحكومة أنموذجاً من الأمَّة، أو هم الأمَّة مصغَّرة، وعلى الحكومة إيجاد الكفاء21- مبحث التفريق بين السُّلطات السياسية والدينية والتعليم: هل يُجمع بين سلطتين أو ثلاث في شخصٍ واحد؟ أم تُخصَّص كلُّ وظيفة من السياسة والدين والتعليم بمن يقوم بإتقان، ولا إتقان إلا بالاختصاص، وفي الاختصاص، كما جاء في الحكمة القرآنية: ما جعل اللهُ لرجلٍ قلبين في جوفه، ولذلك لا يجوز الجمع منعاً لاست22- مبحث الترقّي في العلوم والمعارف: هل يُترَك للحكومة صلاحية الضَّغط على العقول كي يقوى نفوذ الأمَّة عليها؟ أم تُحمل على توسيع المعارف بجعل التعليم الابتدائي عمومياً بالتشويق والإجبار، وبجعل الكمالي سهلاً للمتناول، وجعل التعليم والتعلُّم حرّاً مطلقاً؟ 23- مبحث التوسُّع في الزراعة والصنائع والتجارة: هل يُترك ذلك للنشاط المفقود في الأمَّة؟ أم تلزم الحكومة بالاجتهاد في تسهيل مضاهاة الأمم السَّائرة، ولا سيما المزاحمة والمجاورة، كيلا تهلك الأمَّة بالحاجة لغيرها أو تضعف بالفقر؟ 24- مبحث السَّعي في العمران: هل يُترك ذلك لإهمال الحكومة المميت لعزَّة نفس السُّكان، أو لانهماكها فيه إسرافاً وتبذيراً؟ أم تحمل على اتِّباع الاعتدال المتناسب مع الثورة العمومية؟ 25- مبحث السَّعي في رفع الاستبداد: هل يُنتظر ذلك من الحكومة ذاتها؟ أم نوال الحرية ورفع الاستبداد رفعاً لا يترك مجالاً لعودته، من وظيفة عقَلاء الأمة وسراتها؟ هذه خمسة وعشرون مبحثاً، كلٌّ منها يحتاج إلى تدقيقٍ عميق، وتفصيلٍ طويل، وتطبيق على كلِّ الأحوال والمقتضيات الخصوصية. وقد ذكرتُ هذه المباحث تذكرةً للكُتَّاب ذوي الألباب وتنشيطاً للنُّجباء على الخوض فيها بترتيب، اتِّباعاً لحكمة إتيان البيوت من أبوابها. وإني 1- الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة. 2- الاستبداد لا يقاوَم بالشِّدة إنما يُقاوم باللين والتدرُّج. 3- يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد. هذه قواعد رفع الاستبداد، وهي قواعد تُبعد آمال الأسراء، وتسرُّ المستبدّين؛ لأنَّ ظاهرها يؤمنِّهم على استبدادهم. ولهذا أذكِّر المستبدّين بما أنذرهم الفياري المشهور؛ حيثُ قال: "لا يفرحنَّ المستبدُّ بعظيم قوَّته ومزيد احتياطه، فكم جبّارٍ عنيدٍ جُنِّد له مظلوممبنى قاعدة كون الأمَّة التي لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة هو: إنَّ الأمَّة إذا ضُرِبَت عليها الذِّلَّة والمسكنة، وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير تلك الأمَّة سافلة الطِّباع حسبما سبق تفصيله في الأبحاث السَّالفة، حتى إنَّها تصير كالبهائم، أو دون البهائم، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيموقد تقاوم المستبدَّ بسَوق مستبدٍّ آخر تتوسَّم فيه أنَّه أقوى شوكةً من المستبدِّ الأول، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلا بماء الاستبداد، فلا تستفيد أيضاً شيئاً، إنما تستبدل مرضاً مزمناً بمرض حديث، وربما تُنال الحرية عفواً، فكذلك لا تستفيد منها شيئاً؛ فإذا وُجِد في الأمَّة الميتة من تدفعه شهامته للأخذ بيدها والنهوض بها فعليه أولاً: أن يبثَّ فيها الحياة وهي العلم؛ أي علمها بأنَّ حالتها سيئة، وإنَّما بالإمكان تبديلها بخيرٍ منها، فإذا هي علمت بطبعه من الآحاد إلى العشرات، إلى إلى...، حتى يشمل أكثر الأمَّة،إذا لم تقُم بالعدل فينا حكومةٌ فنحن على تغييرها قُدَراء وهكذا ينقذف فِكرُ الأمَّة في وادٍ ظاهر الحكمة يسير كالسيل، لا يرجع حتى يبلغ منتهاه. ثمَّ إنَّ الأمم الميتة لا يندر فيها ذو الشَّهامة، إنما الأسف أنْ يندر فيها من يهتدي في أوَّل نشأته إلى الطريق الذي به يحصل على المكانة التي تمكِّنه في مستقبله من نفوذ رأيه في قومه. وإنِّي أنبِّه فكر الناشئة العزيزة أنَّ من يرى منهم في نفسه استعداداً للمجد1- أن يجهد في ترقية معارفه مطلقاً لا سيما في العلوم النّافعة الاجتماعية كالحقوق والسياسة والاقتصاد والفلسفة العقلية، وتاريخ قومه الجغرافي والطبيعي والسياسي، والإدارة الحربية، فيكتسب من أصول وفروع هذه الفنون ما يمكنه إحرازه بالتلقِّي، وإن تعذَّر فبالمطالعة2- أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه في قومه موقعاً محترماً وعلمياً مخصوصاً؛ كعلم الدين والحقوق أو الإنشاء أو الطبّ. 3- أن يحافظ على آداب وعادات قومه غاية المحافظة ولو أنَّ فيها بعض أشياء سخيفة. 4- أن يقلل اختلاطه مع الناس حتى رفقائه في المدرسة، وذلك حفظاً للوقار وتحفُّظاً من الارتباط القوي مع أحد كيلا يسقط تبعاً لسقوط صاحبٍ له. 5- أن يتجنَّب كليّاً مصاحبة الممقوت عند الناس لا سيما الحكّام ولو كان ذلك المقت بغير حقّ. 6- أن يجتهد ما أمكنه في كتم مزيّته العلمية على الذين هم دونه في ذلك العلم لأجل أن يأمن غوائل حسدهم، إنما عليه أن يظهر مزيّته لبعض من هم فوقه بدرجاتٍ كثيرة. 7- أن يتخيَّر له بعض من ينتمي إليه من الطبقة العليا، بشرط: أنْ لا يُكثر التردد عليه، ولا يشاركه شؤونه، ولا يظهر له الحاجة، ويتكتَّم في نسبته إليه. 8- أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه وإلا يؤخذ عليه تبعة رأي يراه أو خبرٍ يرويه. 9- أن يحرص على أن يُعرف بحسن الأخلاق، لا سيما الصّدق والأمانة والثبات على المبادئ. 10- أن يُظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة على الدين والعلاقة بالوطن. 11- أن يتباعد ما أمكنه من مقاربة المستبدّ وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن به فظائع شرِّهم إذا كان معرَّضاً لذلك. فمن يبلغ سنَّ الثلاثين فما فوق حائزاً على الصفات المذكورة، يكون قد أعدَّ نفسه على أكمل وجه لإحراز ثقة قومه عندما يريد في برهة قليلة، وبهذه الثِّقة يفعل ما لا تقوى عليه الجيوش والكنوز. وما ينقصه من هذه الصِّفات يُنقص من مكانته، ولكنْ؛ قد يستغني بمزيد كمال والخلاصة: أنَّ الراغب في نهضة قومه، عليه أن يهيئ نفسه ويزن استعداده، ثمَّ يعزم متوكِّلاً على الله في خلق النَّجاح. ومبنى قاعدة أنَّ الاستبداد لا يُقاوم بالشدة، إنما يُقاوم بالحكمة والتدريج هو: أنَّ الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقّي الأمَّة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس. ثمَّ إنَّ اقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفه،ثمَّ إنَّ الاستبداد محفوفٌ بأنواعٍ القوات التي فيها قوّة الإرهاب بالعظمة وقوّة الجُند، لا سيما إذا كان الجند غريب الجنس، وقوة المال، وقوة الإلفة على القسوة، وقوّة رجال الدين، وقوّة أهل الثروات، وقوّة الأنصار من الأجانب، فهذه القوات تجعل الاستبداد كالسيف لالاستبداد لا ينبغي أن يُقاوَم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً. نعم؛ الاستبداد قد يبلغ من الشدَّة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجاراً طبيعياً، فإذا كان في الأمَّة عقلاء يتباعدون عنها ابتداءً، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حالعوام لا يثور غضبهم على المستبدِّ غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيِّجة فورية، منها: 1- عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبدُّ على المظلوم يريد الانتقام لناموسه. 2- عقب حرب يخرج منها المستبدُّ مغلوباً، ولا يتمكَّن من إلصاق عار التغلُّب بخيانة القوّاد. 3- عقب تظاهر المستبدِّ بإهانة الدّين إهانةً مصحوبةً باستهزاء يستلزم حدَّة العوام. 4- عقب تضييق شديد عام مقاضاةً لمالٍ كثير لا يتيسَّر إعطاؤه حتّى على أواسط الناس. 5- في حالة مجاعة أو مصيبة عامّة لا يرى الناس فيها مواساةً ظاهرة من المستبدّ. 6- عقب عمل للمستبدِّ يستفزُّ الغضب الفوري، كتعرُّضه لناموس العرض، أو حرمة الجنائز في الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في الغرب. 7- عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار. 8- عقب ظهور موالاة شديدة من المستبدِّ لمن تعتبره الأمَّة عدوّاً لشرفها. إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال التي عندها يموج الناس في الشوارع والساحات، وتملأ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء، ينادون: الحقّ الحقّ، الانتصار للحقّ، الموت أو بلوغ الحقّ. المستبدُّ مهما كان غبياً لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتياً لا يغفل عن اتِّقائها، كما أنَّ هذه الأمور يعرفها أعوانه ووزراؤه. فإذا وُجِد منهم بعض يريدون له التهلكة يهوِّرونه على الوقوع في إحداها، ويُلصقونها به خلافاً لعادتهم في إبعادها عنه بالتمويه على الناس. إنَّ رئيس وزراء المستبدِّ أو رئيس قُوَّاده، أو رئيس الدِّين عنده، هم أقدر الناس على الإيقاع به، وهو يداريهم تحذُّراً من ذلمثيري الخواطر على الاستبداد طرائق شتّى يسلكونها بالسّرّ، والبطء، يستقرّون تحت ستار الدين، فيستنبتون غابة الثورة من بذرة أو بذورات يسقونها بدموعهم في الخلوات. وكم يلهون المستبدَّ بسوقه إلى الاشتغال بالفسوق والشَّهوات، وكم يغرونه برضاء الأمَّة عنه، ويجسِّرومبنى قاعدة أنَّه يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ماذا يُستبدل به الاستبداد هو: إنَّ معرفة الغاية شرطٌ طبيعي للإقدام على كلِّ عمل، كما أنَّ معرفة الغاية لا تفيد شيئاً إذا جهل الطريق الموصل إليها، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقاً، بل لا بدَّ ثمَّ إذا كانت الغاية مبهمة ولم يكن السير في سبيلٍ معروف، ويوشك أن يقع الخلاف في أثناء الطريق، فيفسد العمل أيضاً وينقلب إلى انتقام وفتن. ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص وإشهارها بين الكافّة، والسعي في إقناعهم واستحصال رضائهم بها ما أمكن ذلك، بل الأَولوالمراد أنَّ من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد ويمكن أنْ يُستبدل بها الاستبداد، وليس هذا بالأمر الهيّن الذي تكفيه فكرة ساعات، أو فطنة آحاد، وليس هو بأسهل من ترتيب المقاومة والمغالبة. وهذا الاستعداد الفكري النظري لا يجوز أنْ يكون مقصوراً على الخواص، بوخلاصة البحث أنَّه يلزم أولاً تنبيه حسّ الأمَّة بآلام الاستبداد، ثمَّ يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة لها؛ بحيث يشغل ذلك أفكار كلِّ طبقاتها، والأولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين، بل عشرات السنين حتى ينضج تماماً، وحتى يحصل ظهورونتيجة البحث، أنَّ الله ?جلَّت حكمته- قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال من تُحكِّمه عليها. وهذا حقٌّ. فإذا لم تحسن أمّة سياسة نفسها أذلَّها الله لأمَّة أخرى تحكمها، كما تفعل الشرائع بإقامة القيّم على القاصر أو السفيه، وهذه حكمة. ومتى بلغت أمَّةٌ رشدها، وعرفت لوهكذا لا يظلم ربُّك أحداً، إنما هو الإنسان يظلم نفسه، كما لا يذلُّ الله قط أمة عن قلّة، إنما هو الجهل يسبِّب كلَّ علَّة. وإني أختم كتابي هذا بخاتمة بشرى، وذلك أنَّ بواسق العلم وما بلغ إليه، تدلُّ علىأنَّ يوم الله قريب. ذلك اليوم الذي يقلُّ فيه التفاوت في العلم وما يفيده من القوّة، وعندئذٍ تتكافأ القوات بين البشر، فتنحلُّ السلطة، ويرتفع التغالب، فيسود بين الناس العدل والتواد

    الكاتب: عبدالرحمن الكواكبي

    0المفضلة

    12916 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من عبدالرحمن الكواكبي

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • الاستبداد والتخلُّص منه