• المقامة الجرجانية

    حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ هِشَامٍ قَالَ: بَيْنمَا نَحْنُ بِجُرجَانَ، فِي مَجْمَعٍ لَنَا نَتَحَدَّثُ وما فينا إِلاَّ مِنَّا، إِذْ وَقَفَ عَليْنَا رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّويلِ المُتَمَدِّدِ، ولا الْقصيرِ المُتَرَدِّدِ، كَثُّ العُثْنُونِ، يَتْلُوهُ صِغَارٌ فِي أَطْمارٍ، فافْتَتَحَ الْكَلامَ بِالسَّلاموفينَا مَقَامَاتٌ حِسَانٌ وُجُوهُهُم *** وأَنْدِيَةٌ يَنتَابُها القَوْلُ والفِعْلُ عَلَى مُكْثِرِيهِمْ رَزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِمُ *** وَعِنْدَ المُقِلَّينَ السَّمَاحَةُ والبَذْلُ ثُمَّ إِنَّ الدَّهْرَ يا قَوْمُ قَلَبَ لِي مِنْ بَيْنِهمْ ظَهْرَ الْمِجَنَّ، فاعْتَضْتُ بِالنَّوْمِ السَّهَر، وبالإِقامَةِ السَّفَرَ، تَتَرَامى بِي المَرَامي، وتَتَهَادَى بِي المَوَامِي، وَقَلَعَتْنِي حَوَادِثُ الزَّمَنِ قلْعَ الصَّمْغَةِ، فَأُصْبِحُ وأُمبِآمدَ مَرَّةً وَبِـرأْسِ عَـيْنٍ *** وأَحْيَاناً بِمَيّا فَـارِقِـينَـا لَيْلَةً بِالشَّآمِ ثُـمَّـتَ بِـالأهْ *** وَازِ رَحْلِي وَلَيلَةً بِالْعِرَاقِ فَما زَالَتِ النَّوَى تَطْرَحُ بيِ كُلَّ مَطْرَحٍ، حَتَّى وَطِئْتُ بِلادَ الحَجَرِ وَأَحَلَّتنِي بَلَدَ هَمَذَانَ، فَقَبِلَنِي أَحْيَاؤُهَا، وَأَشْرَأَبَّ إِلَىَّ أَحِبَّاؤُهَا، وَلكِنِّي مِلْتُ لإِعْظَمِهشمْ جَفْنَةً، وَأَزْهَدِهِمْ جَفْوةً: َلهُ نَارٌ تُشَبُّ عَلَى يَفَـاعٍ *** إِذَا النِّيرانُ أُلْبِسَتِ الْقِنَاعَا فَوَطَّأَ لِي مَضْجَعاً، وَمَهَّدَ لِي مَهْجَعاً، فَإِنْ وَنَى لِيَ وَنْيةً هَبَّ لِيَ ابْنٌ كأَنَّهُ َسَيْفٌ يَمَانٍ، أَوْ هِلاَلٌ بَدَا فِي غَيْرِ قَتَمانٍ، وَأَوْلاني نِعَماً ضَاقَ عَنْهَا قَدْرِي، وَاتَّسَعَ بِهَا صَدْرِي، أَوَّ لُهَا فَرْشُ الدَّارِ،كأَنَّهُ ُدْمُـلٌـج مِـنْ فِـضَّةٍ نَـبَـهٌ *** فِي مَلْعَبٍ مِنْ عَذَارَى الحَيِّ مَفْصُومُ وَقَدْ هَبَّتْ بِي إِلَيْكُمْ رِيحُ الاِحْتِيَاجِ، وَنَسِيمُ الإِلْفَاجِ، فَانْظُرُوا رَحِمَكُمُ اللهُ لِنِقْضٍ مِنَ الأَنْقَاضِ مَهْزُولٍ، هَدَتْهُ الحَاجَةُ، وَكَدَّتْهُ الْفَاقَةُ : أَخَا سَفَرٍ، جَوَّابَ أَرْضٍ، تَقَاذَفَتْ *** بِهِ فَلَوَاتٌ؛ فَهْوَ أَشْعَثُ أَغْبَـرُ جَعَلَ اللهُ لِلخَيْرِ عَلَيْكُمْ دَلِيلاً، وَلاَ جَعَلَ للِشَّرِّ إِلَيْكُمْ سَبِيلاً. قَالَ عِيسَى بْنُ هِشَامٍ: فَرَقَّتْ وَاللهِ لَهُ الْقُلُوبُ، وَاغْرَوْرَقَتْ لِلُطْفِ كلاَمِهِ العُيُونُ، وَنُلْنَاُه مَا تَاحَ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ، وأَعْرَضَ عَنَّا

    الكاتب: بديع الزمان الهمذاني

    0المفضلة

    28912 المشاهدات

    0 تعليقات

    المفضلة إبلاغ
التعليقات معطلة من قبل المؤلف أو الإدارة

التعليقات (0)

المزيد من بديع الزمان الهمذاني

عرض جميع الأعمال

مواضيع ذات صلة

  • المقامة الجرجانية